الضعفُ الخَلقي قدَرٌ لا مفرَّ للإنسانِ منه… عجزُ الإنسانِ عن قهرِ الطبيعةِ مثالاً

ما كان للإنسانِ أن يُفلِحَ في قهرِ الطبيعةِ وهو الذي ما قدرَها حقَّ قدرِها إذ أوهمته نفسُه بأنه المتحكمُ فيها والقاهرُ فوقَها. ولكن أنى للإنسانِ أن يقدرَ أيَّ شيءٍ حقَّ قدرِه حتى يكونَ بمقدورِه أن يقدرَ الطبيعةَ حقَّ قدرِها فيدركَ أنَّ ما تأتَّى له أن يحيطَ به من عِلمٍ ببعضِ مفرداتِها لن يمكِّنَه يوماً من سَبرِ أغوارِها ومعرفةِ كافةِ أسرارِها، وبما يجعلُ بمقدورِه أن يتسلَّطَ عليها فتصبحَ بذلك طوعَ أمرِه امتثالاً منها لما يمليه عليها خضوعُها هذا لمشيئتِه وإرادتِه! صحيحٌ أنَّ الإنسانَ قد خُيِّلَ إليه أنه قادرٌ، بعقلِه وما أفاءَ به عليه من معارفَ وعلوم، على جعلِ الطبيعةِ تنصاعُ لبعضِ أمرِه فتطيعُه في هذا أو ذاك مما يضطرها إليه ويُقسِرُها عليه، غيرَ أنَّ هذا الخضوعَ المشروطَ لا يكفي حتى يستعينَ به الإنسانُ على صياغةِ تصورٍ للطبيعةِ يجعله يصدقُ ما توهمُه به نفسُه من أنَّه سيدُ الطبيعةِ وسلطانُها! ولكن اللهَ تعالى ما كان ليدعَ الإنسانَ تتقاذفُه أهواءُ نفسِه فتسيرُه أنى تشاء، فكان أن حملَه على أن يرى بأمِّ عينه ما هو كفيلٌ بأن يكشفَ له زيفَ ما أوهمته به نفسُه. وهذه رحمةٌ من اللهِ تعالى بالإنسانِ علَّه أن يكفَّ عن اتباعِ ما تدعوه إليه نفسُه فيتبيَّنَ أنَّ الأمرَ لو كان هو حقاً كما تقولُ به نفسُه لَما وقفَ عاجزاً لا يلوي على شيء والطبيعةُ تمعنُ في تدميرِ ما صنعت يداه من حضارةٍ لن يكونَ بمقدورِه أن يدفعَ عنها “غضبَ الطبيعةِ” وإن أعانَه على ذلك ما بين يدَيه من عِلمٍ طالما فاخرَ به وطالما استدلَّ بنظرياتِه وصنائعِه على أنه سيدُ المخلوقاتِ بلا منازع!
فأين هو العِلمُ وأين نجدتُه وهذه حرائقُ الطبيعةِ قد أتت على ما بنته يدُ الإنسان؟! فمتى يدركُ الإنسانُ أنه أعجزُ من أن يقهرَ الطبيعةَ ويتسيَّدَ عليها، وأنَّ ضعفَه هذا كامنٌ في صُلبِ خِلقتِه، وأنَّ الأوانَ قد آنَ حتى يؤدِّبَ نفسَه فيتأدبَ وهو في حضرةِ الطبيعةِ التي لو أنَّ اللهَ تعالى لم يخلقه بضعفِه هذا لأصبحَ سيدَها وسلطانَها، أما وأنه قد أصبحَ أكثرَ تواضعاً وأقلَّ تكبراً. فلعل حرائقَ غاباتِ كاليفورنيا تجعلُ الإنسانَ يدركُ مقدارَ ضعفِه الذي لن يكونَ بمقدورِه يوماً أن ينزعَه عنه. وصدقَ اللهُ تعالى الذي قالَ في قرآنِه العظيم: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق)، وقال أيضاً: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء).

أضف تعليق