لماذا لن تختفيَ الحربُ من عالَمِ البشر حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها؟

الإنسانُ كائنٌ مفتونٌ بالحرب مهووسٌ بها وإلى الحدِّ الذي جعلَ تاريخَه على هذه الأرض يدورُ من حولِ محورٍ واحدٍ هو هذه الحرب! فالحربُ هي أبرزُ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوانِ الذي يفاخرُ الإنسانُ بتفوقِه عليه عقلاً وخُلُقاً وشجاعةً ونُبلاً! والحربُ بعدُ مغروسةٌ بجذورِها في عُمقِ كيانِنا البشري وإلى الحدِّ الذي لا يُرتجى معه أن يأتيَ يومٌ على بَني آدمَ لن تقومَ بعده بينهم حرب! ولذلك فإن كلَّ الدعواتِ إلى السلامِ هي ليست في حقيقتِها إلا تجلياتٌ لنظرةٍ رومانسية إلى الجنسِ البشري أغفلت تبيُّنَ طبيعتِه وحقيقتِه. فالسلامُ بين البشرِ لن يحلَّ يوماً، وذلك طالما كانت الحربُ مكوناً رئيسياً من مكوناتِ خِلقتِهم من بعدِ أن أكلَ أبواهم من شجرةِ الجنةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها. وهذه حقيقةٌ من حقائقِ القرآنِ العظيم تغافلنا عنها لا لشيءٍ إلا لأنها لا تتفقُ مع نظرتِنا إلى الإنسانِ الذي عظَّمناه وبالغنا في تقديرِ شريفِ خصالِه وكريمِ أصلِ خِلقتِه!
ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ونتدبَّرَ ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من تبيانٍ لحقيقةِ الإنسان وكشفٍ للعلةِ من وراءِ وجوبِ أن يتَّبعَ صراطَ اللهِ المستقيم اتباعاً هو الكفيلُ وحده بأن يرتقيَ به إلى ما كان عليه يوماً قبل أكلِ أبوَيه من تلك الشجرة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (35- 39 البقرة).
فلن يحلَّ السلامُ إذاً على هذه الأرض حتى يتَّبعَ البشرُ هَديَ الله فيتأتى لهم بذلك أن يقتلعوا بإذنِ الله كلَّ أثرٍ خلَّفته تلك الشجرةُ في بُنيتِهم فلا يعودُ بمقدورهم بعدها أن يلجأوا إلى الحربِ فيما بينهم.

أضف تعليق