لماذا يعجزُ العِلمُ عن تبيُّنِ حقيقةِ الإنسان؟

يصرُّ العلماءُ على النظرِ إلى الإنسانِ انطلاقاً من كونِه كائناً يكفي للتعريفِ به أن نقولَ بشأنِه ما نقولُه بشأنِ النباتِ والحيوان أما وأنه يتشاركُ معهما ذاتَ الماضي التطوري وذاتَ الأصلِ الذي نشأَ الجميعُ عنه. ولقد نجمَ عن هذه المقاربةِ، المفرطةِ في التبسيطِ والاختزال، أننا استندنا إلى ذاتِ القوانينِ الكيميائيةِ والبايولوجية في التعاملِ المعرفي مع كلٍّ من أصنافِ الخَلقِ هذه، مما انعكسَ سَلباً على تشخيصِنا لحقيقةِ الإنسان؛ هذه الحقيقةُ التي لا يمكنُ لنا أن نحيطَ بها إلا من بعدِ أن نُقِرَّ بأنَّ بنيةَ الإنسانِ أكثرُ تعقيداً من بُنيةِ كلٍّ من النباتِ والحيوان. فالإنسانُ، الذي عملنا على صياغةِ تصورٍ له يستندُ إلى ماضيه التطوري المشتركِ مع النباتِ والحيوان، هو ليس الإنسانَ الذي أصبحنا عليه بعد انتهاءِ رحلةِ تطوره هذه. فالإنسانُ الذي نحن عليه اليومَ لا يكفي للتعريفِ به أن نقصرَ ماضيه التطوري على ما افترضناه من ماضيه في عالَمِ النباتِ والحيوان. وهذه حقيقةٌ يضطرُنا إلى القولِ بها هذا العجزُ من جانبِنا عن الإجابةِ على كثيرٍ من الأسئلة ذاتِ الصلةِ بطبيعةِ الإنسان والدوافعِ التي تجعلُه يقومُ بهذا الفعلِ أو ذاك مما لا نجدُ له نظيراً في عالَمِ النباتِ والحيوان. فإذا كان النباتُ والحيوانُ يرضخان لقوانينَ صارمة أملتها عليهما الطبيعةُ إملاءً يحولُ دون أن يكونَ بمقدورِهما أن يحيدا عن الالتزامِ بها، فإنَّ الإنسانَ بالمقابل لا يُظهِرُ من الالتزامِ بقوانينِ الطبيعة ما يؤيدُ زعمَ العلمِ بألا فرقَ هناك بين الإنسانِ والنباتِ والحيوان، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بالامتثالِ لقوانينِ الطبيعة. وهذا التناقضُ، بين الإنسانِ الذي نحن عليه والإنسانِ الذي يريدُنا العِلمُ أن نصدِّقَ أنه الإنسانُ الذي أصبحنا عليه، لَيوجبُ علينا أن نُقِرَّ بأنَّ الأمرَ لا يتعلقُ بحلقةٍ مفقودة قدرَ ما هو متعلقٌ بمرحلةٍ تطوريةٍ مفقودةٍ بأكملِها! وهذه المرحلةُ التطوريةُ المفقودة هي التي جعلتنا الإنسانَ الذي نحن عليه: إنساناً لا يجد بداً من أن يخرجَ على الطبيعةِ وقوانينِها في دلالةٍ بيِّنةٍ على أن خروجَه هذا على الطبيعة هو في حقيقتِه امتثالٌ من جانبِه لطبيعةٍ أخرى حتمت عليه وجوبَ أن يلتزمَ بقوانينِها التي لا تطابقَ بينها وبين قوانينِ الطبيعةِ كما نعرفُها. إنَّ إصرارَ العلماء على أنَّ الإنسانَ لا يحتاجُ منا، حتى نعرفَه المعرفةَ التي تكفلُ لنا أن نحيطَ بحقيقتِه، غيرَ ما بين أيدينا من العِلم، لن ينجمَ عنه إلا ما يؤبدُ جهلَنا بالدوافعِ التي تدفعُ بنا للقيامِ بما تعجزُ قوانينُ الطبيعةِ كما نعرفُها عن التعليلِ له.

أضف تعليق