
لا يحتاجُ الأمرُ منا غيرَ أن نتخلَّى عن غرورِنا ومغالاتِنا في تعظيمِ تمايزِنا عن أنواعِ الخَلقِ كلِّها جميعاً حتى نتبيَّنَ حقيقتَنا كما جلاها لنا تاريخُنا على هذه الأرض، وذلك من دونِ أن يخالطَ صفحاتِ هذا التاريخ ما يحولُ دون أن نتبيَّنَ القاسمَ المشتركَ بين وقائعِه وأحداثِه. ولو أننا قمنا بذلك لما وجدنا غيرَ الافتتانِ بالحروبِ والهوَسِ بالقتالِ قاسماً مشتركاً بين شعوبِ الأرضِ قديمِها ومعاصرِها. فالحربُ تكادُ أن تكونَ السمةَ الأبرزَ التي يتمايزُ بها الإنسانُ عن الحيوان. ويُخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ العقلَ هو ما يجعلُ الإنسانَ إنساناً، وذلك بالمقارنةِ مع الحيوان الذي لا يزال الكثيرُ منا ينظرُ إليه فيراه مفتقراً إلى العقلِ؛ كيف لا وهو ما هو عليه منذ ملايين السنين وحتى يومِنا هذا!
وهذا ظنٌّ لا أساسَ له من الصحة، وذلك طالما كانت النفسُ التي ابتُليَ بها الإنسانُ، وليس العقلُ، هي ما يجعلُ الإنسانَ إنساناً! فلولا النفسُ ما أوقدت للحربِ نارٌ! وهذه النفسُ هي التي حتَّمت على بَني آدمَ أن يكونَ بعضُهم لبعضٍ عدو. وهذه النفسُ ما هي إلا بعضٌ مما تعيَّنَ على الإنسانِ أن يكابدَه عناءً شديداً وشقاءً منقطعَ النظير، وذلك جراء أكلِ أبوَيه آدم وزوجِه من شجرةِ الجنةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (35- 36 البقرة).
فتاريخُ الإنسانِ، إذ هو تاريخُ حروبِه ومعاركِه وما نجمَ عنها من سفكٍ للدماءِ وإفسادٍ في الأرض، هو مثالٌ حيٌّ على ما تسبَّبت به تلك الأكلةُ من ضررٍ فادحٍ لحقَ ببُنيتِهِ التكوينيةِ وبما انعكسَ على تعاملِه مع أخيه الإنسان أما وأنَّ قانونَ تواجدِ بَني آدمَ في هذا العالَم قد أوجزَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بقولِه: “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ”.
