في معنى قَولِ اللهِ تعالى “إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ”

جُبِلَ الكثيرُ من بَني آدمَ على القتور، وهو البخلُ الشديد: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (100 الإسراء). كما ونقرأُ في الآيتَين الكريمتَين 36- 37 من سورةِ محمد: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ. إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ).
ويكفلُ لنا تدبُّرُ هاتين الآيتَين الكريمتَين أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ سؤالِ اللهِ تعالى الذين آمنوا بأن ينفقوا من أموالِهم على الأراملِ والأيتامِ والفقراءِ والمساكين وغيرِهم ممن قضى بأن يتمَّ الانفاقُ عليهم. فاللهُ تعالى لا يسألُ الذين آمنوا أموالَهم حرصاً منه عليها أو رغبةً منه فيها: (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ. مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ. إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ) (56- 58 الذاريات). فاللهُ تعالى إن يسأل الذين آمنوا أموالَهم فإن ذلك لأنه يريدُ منهم أن يخالفوا عن أمرِ أنفسِهم التي لا تأمرُهم إلا بالسوء، ولا تحضُّهم إلا على شديدِ البخلِ والقتور، فإن أجابوا اللهَ تعالى سؤالَه، فأقرضوه قرضاً حسناً، فقد ضمنوا بذلك أن يُخرجَ اللهُ تعالى أضغانَهم من قلوبِهم إخراجاً هو السبيلُ الوحيدُ حتى يُحكِمَ الواحدُ منهم قبضتَه على نفسِه فلا يمكِّنُها منه ولا يجعلُ لها عليه سبيلاً:
1- (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (11 الحديد).
2- (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (17 التغابن).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن ما من سبيلٍ حتى يأمنَ المرءُ نفسَه، وبما يجعلُه أهلاً لأن يكونَ من عبادِ اللهِ الذين يتقونه حقَّ تقاتِه، إلا بأن يكونَ كما أرادَه اللهُ تعالى: بعيداً عن القتور والبخلِ الشديد، وذلك حتى ينأى بنفسِه عن الطغيانِ والكفور.

أضف تعليق