
نقرأُ في سورةِ إبراهيم، وفي الآيةِ الكريمة 37 منها: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
يكفلُ لنا تدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمة أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ إسكانِ سيدِنا إبراهيم بعضاً من ذريتِه في وادٍ غيرِ ذي زرع عند بيتِ اللهِ المحرم. فالأمرُ ليس كما وردَ في العهدِ القديم بأنَّ سيدَنا إبراهيم ارتأى أن يبعدَ بهاجرَ وابنِها إسماعيل بعيداً عن زوجتِه سارة! فحاشى لله تعالى أن يُبعِدَ إمرأةَ سيدِنا إبراهيم السيدة هاجر، وابنهما سيدنَا إسماعيل، عن زوجتِه الأولى (السيدة سارة) درءاً للمشاكل التي كانت ستلوحُ في الأفق بين الزوجتين، كما يزعمُ العهدُ القديم، وذلك لأن في هذا الإبعاد ما يتعارضُ مع شرعِ اللهِ وحدودِه. فاللهُ تعالى أمرَ سيدَنا إبراهيم بأن يتوجَّهَ هو وسيدُنا إسماعيل إلى بقعةٍ من الأرضِ بِعينِها، وذلك من بعد أن اشتدَّ عودُه وبلغَ من العمُرِ ما يجعلُه قادراً على أن يُعينَ والدَه على رفعِ قواعدِ بيتِه المحرم:
1- (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (26 الحج).
2- (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود) (من 125 البقرة).
3- (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (127 البقرة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، وبمقارنةِ ما جاءنا به القرآنُ العظيم بما وردَ في العهدِ القديم بهذا الشأن، أنَّ الأمرَ لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ قد حدثَ كما وردَ في العهدِ القديم، وأنَّ أحسنَ القصَصِ هو ما قصَّه اللهُ تعالى علينا في قرآنِه العظيم. فأحسنُ القصَصِ أصدقُها، “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا”.
