
نقرأُ في سورةِ النمل، وفي الآيةِ الكريمةِ 60 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ). فما هو معنى قَولِ اللهِ تعالى “بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ”؟
العدلُ الذي يُشيرُ إليه قَولُ اللهِ تعالى هذا هو ليس العدلَ الذي تُشيرُ إليه الآيةُ الكريمة (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (181 الأعراف)، والآيةُ الكريمة (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (159 الأعراف). فالعدلُ الذي تشيرُ إليه هاتان الآيتان الكريمتان هو القِسطُ الذي يشير إليه قولُ اللهِ تعالى:
1- (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (47 يونس).
2- (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (85 هود).
أما العدلُ الذي يشيرُ إليه قولُ اللهِ تعالى “بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ”، فإن بإمكانِنا أن نتبيَّنَ معناه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى “عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا” في الآيةِ الكريمة 95 المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ). فالعبارةُ الكريمة “عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا” في قولِ اللهِ تعالى هذا تعني “قدرُ ذلك صياماً”. وبذلك فإنَّ قولَ اللهِ تعالى “بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ” يشيرُ إلى المشركين الذين يساوون بين اللهِ تعالى وآلهتهم التي كانوا يعبدون.
وهو ذاتُ المعنى الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيتَين الكريمتَين:
1- (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (1 الأنعام).
2- (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (من 150 الأنعام).
فالذين كفروا بربِّهم يعدلون إذ يعبدون مع اللهِ تعالى آلهةً أخرى هم بها مشركون.
