
نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآيةِ الكريمة 3 منها، قولَ اللهِ تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآن). فلماذا سمَّى اللهُ تعالى قصَصَ القرآنِ العظيم “أحسنَ القَصَص”؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنية التي مفادُها ما بإمكانِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) (7 الأعراف).
2- (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (28- 29 الجاثية).
3- (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) (من 61 يونس).
فأحسنُ القصَصِ إذاً هي أصدقُ القَصَص. فما مِن أحدٍ أصدقُ من اللهِ تعالى قيلاً ولا حديثاً: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (من 122 النساء)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (من 87 النساء). فاللهُ تعالى إذ يقصُّ في قرآنِه العظيم القصَصَ فإنه يرويها روايةَ الحاضرِ الناظرِ الشاهدِ الذي لا تخالطُ روايتَه الأوهامُ والظنون ولا يمازجُها شيءٌ مما أُحضِرته الأنفسُ من غلبةِ الهوى وتسلُّطِ ما تنحازُ إليه النفسُ بما جُبِلت عليه من طبعِها وما يشوبُ العقلَ من وهَنٍ وضعفٍ تحتَّمَ عليه بموجبِهما أن يجيءَ استذكارُه للأحداثِ وروايتُه لها أبعدَ ما يكونُ عن التوصيفِ الحق الذي ما من أحدٍ بمقدورِه أن يفيَه حقَّه ومستحقَّه إلا مَن كان أعلمَ بخلقِه وأدرى بما يجري عليهم مما سبقَ وأن قدَّرَه لهم وقسَمَه في كتابِه يومَ خلقَ السمواتِ والأرض.
