
لا يملكُ الرئيسُ الأمريكي الجديد دونالد ترمب غيرَ أن يشرعَ بالعملِ على إعادةِ صياغةِ “نظامٍ عالَميٍّ جديد” لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بالنظامِ العالَمي الذي انتهت بنا إليه الحربُ العالَميةُ الثانية، التي وإن كانت قد قضت على ألمانيا النازية، فإنها قد جاءتنا بامبراطوريتَين متنافستين تسعى كلُّ واحدةٍ منهما إلى فرضِ سيطرتِها على العالَم والانفرادِ به. فعالَمُ ما بعد الحربِ العالميةِ الثانية هو عالَمُ “الحرب الباردة” الذي أُزهِقَت فيه ملايين الأنفس جراءَ تلك “الحروب بالوكالة” التي أوقدت نارَها تلك الامبراطوريتان وحرصتا جاهدتَين على أن تجريَ وقائعُها بعيداً عن أراضيهما فلا تضطران والحالُ هذه إلى خوضِ غمارِها والمعاناةِ من ويلاتِها وشرورِها ومصائبِها. ويخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ عالمَ “الحرب الباردة” قد زالَ وتلاشى عقبَ انهيارِ الاتحادِ السوفيتي عام 1991! فالحربُ الباردةُ مازالت تستعرُ نيرانُها هنا وهناك خارجَ حدودِ هاتين الامبراطوريتَين: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي. فالعالَمُ كان يتَّجهُ قبلَ 20/ يناير/2025 إلى حربٍ عالميةٍ ثالثة كان أولَ مَن سيكتوي بنارِها أولئك الذين عمدوا جاهدين إلى توفيرِ الظروفِ التي تجعلُ من المستحيلِ الحيلولةَ دون اندلاعِها، وأقصدُ بهؤلاء إدارةَ الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن التي زيَّنَت له أنَّ بمقدورِ الولاياتِ المتحدة أن تُجهِزَ على الاتحادِ الروسي بضربةٍ وقائيةٍ استباقية لن يستطيعَ معها أن يردَّ بالمثل!
إنَّ العالَمَ اليوم ينتظرُ من الرئيسِ الأمريكي الجديد دونالد ترمب أن يعملَ بكلِّ ما أوتيه من قوة على الإطاحةِ بعالَمِ الحربِ الباردة، عالَمِ ما بعد الحربِ العالميةِ الثانية، هذا إن هو أرادَ أن يُجنِّبَ العالَمَ ويلاتِ حربٍ عالميةٍ ثالثة نحن لا محالةَ على بُعدِ خطوةٍ منها. وإني لواثقٌ من أنَّ ترمب مُقدِمٌ على فعلِ ذلك مع ما يقتضيه ذلك من ضرورةِ التأسيسِ لنظامٍ عالَميٍّ جديد بعيدٍ كل البعد عن الإيديولوجيا الفاشلة التي اعتمدتها الإداراتُ الأمريكيةُ المتعاقبة منذ أن تسلَّمَ الرئيس الأمريكي هاري ترومان السلطةَ عام 1945 خلفاً للرئيس ثيودور روزفلت.
