
بثَّ اللهُ تعالى في الوجودِ قوانينَ وأسباباً لولاها ما جرت وقائعُ الوجودِ بالكيفيةِ التي مكَّنت العقلَ البشري من الاهتداءِ إليها والعملِ بها وبما أتاحَ للإنسانِ، إن هو أعملَ في هذه الوقائعِ عقلَه، أن ينطقَ بما يظنُّه الكثيرون “علماً بالغيبِ”، وما هو في حقيقةِ الأمرِ بذلك. فاللهُ تعالى قد اختصَّ نفسَه بالعلمِ بالغيب معرفةً لم يمكِّن منها أحداً من خلقِه، ولم يجعل للإحاطةِ بشيءٍ منها من سبيلٍ إلا بما شاءَ أن يؤتيَه منها:
1- (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) (من 50 الأنعام).
2- (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (من 59 الأنعام).
3- (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (من 188 الأعراف).
4- (إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) (من 20 يونس).
5- (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (من 65 النمل).
6- (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (26- 27 الجن).
7- (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (من 255 البقرة).
إنَّ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة يحدِّدُ ما قُدِّرَ للبشرِ أن يحيطوا به من علمٍ بالغيبِ فيجعلُه مشروطاً بأمرِ اللهِ وإذنِه. وهذا مما لا ينبغي لنا أن نتوهَّمَ بشأنِه ما هو ليس منه. فالغيبُ الذي تشيرُ إليه هذه الآياتُ الكريمة لا علاقةَ له بما بثَّه اللهُ تعالى في الوجودِ من قوانينَ وأسباب. فهذه القوانينُ والأسبابُ قد أتاحَ اللهُ تعالى لكلِّ مَن أعملَ في ظواهرِ الوجودِ عقلَه ما يُمكِّنُه من أن يحيطَ بها، وذلك على خلافِ العلمِ الغيب الذي اختصَّ اللهُ تعالى به نفسَه فلم يجعل لغيرِه إليه سبيلاً.
وبذلك يكونُ علمُ التنبؤ بالأحوالِ الجوية هو ليس مما يندرجُ ضمن ما اختصَّ اللهُ تعالى به نفسَه من علمٍ بالغيب، وذلك طالما كانت القوانينُ والأسبابُ التي تُعينُ على تبيُّنِ مآلاتِ الأنواءِ الجوية هي مما يسَّرَ اللهُ تعالى للإنسانِ أن يتوصَّلَ إليه بعقلِه. ولذلك فإن من غيرِ الجائزِ الزعمُ بأنَّ هذه التنبؤات هي نبوءات. فالنبوءات هي معجزاتٌ ليس لعقلِ الإنسانِ عليها من سلطانٍ يتيحُ له أن يجترحَها أنَّى يشاء! فكلُّ ما بوسعِ الإنسانِ أن يتبيَّنَه بعقلِه من أسرارِ هذا الكون هو ليس من العلمِ بالغيبِ في شيء؛ هذا العلمُ الذي اختصَّ اللهُ تعالى به نفسَه فلم يجعل لإحاطةِ العقلِ بهذه القوانينِ والأسباب ما يمكِّنُه من تبيُّنِ وقائعِ المستقبلِ وأحداثِه إلا ما كان منها مسبَّبٌ له بهذه القوانينِ والأسباب.
