“أيامُ الله” في القرآنِ العظيم

عرَّفَ اللهُ تعالى أيامَه في القرآنِ العظيم في موطنَين اثنين:
1- (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) (5 إبراهيم).
2- (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (14 الجاثية).
فأيامُ الله إذاً هي تلك الأيامُ التي يتجلَّى فيها تدخُّلُ اللهِ المباشر في سَيرِ وقائعِ الوجودِ نصراً لعبادِه الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفتحاً مبيناً. فأيامُ الله ليست كغيرِها من الأيامِ التي أخضعها اللهُ تعالى لسلطانِ أسبابِه وما بثَّه في الوجودِ من قوانينِه. فأيامُ الله هي أيامٌ لا يكفي للتعليلِ لما يتجلى فيها من نصرٍ وفتحٍ وفرجٍ أن نستعينَ بهذه القوانينِ وتلك الأسباب. فأيامُ اللهِ إذاً هي أيامٌ لابد وأن نلتجئَ للتعليلِ لعجيبِ وقائعِها وغريبِ أحداثِها وخارقِ ظواهرِها إلى ما يجلِّيه تدخُّلُ اللهِ تعالى في هذه الوقائعِ والأحداثِ والظواهر. وهذا ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (123 آل عمران).
2- (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (25- 26 التوبة).
3- (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (من 4- 5 الروم).
فأيامُ اللهِ هي أيامُ نصرِه لمن يشاءُ من عبادِه نصراً عزيزاً مؤزَّراً بتأييدِ اللهِ تعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالملائكةِ الذين لولا تنزُّلِهم بأمرِ اللهِ وإذنه لَما تحقَّقَ للذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يقهروا عدوَّهم فيضطروه إلى الفرارِ صاغراً لا يلوي على شيء:
1- (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (9- 10 الأنفال).
2- (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (124- 126 آل عمران).
فالنصرُ هنا قد اختصَّ اللهُ تعالى به نفسَه، إذ جعلَه من عندِه، فلم يجعل إليه من سبيلٍ بغيرِه. ويخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ هذا النصرَ الذي يشيرُ إليه اللهُ تعالى بالإمكان تحقيقُه دون تدخُّلٍ مباشرٍ من اللهِ تعالى. ولذلك عظَّمَ اللهُ تعالى أيامَه إذ جعلَها تشهدُ تجلياتِ نصرِه وفتحِه وفَرَجِه.

أضف تعليق