“إنما الأعمالُ بالخواتيم”

وردَ في حديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ما مفادُه: “إنما الأعمالُ بالخواتيم”. وهذه حقيقةٌ لو أنَّنا قدرناها حقَّ قدرِها، وعملنا بموجبِها، واحتكمنا إليها كلَّما أشكلَ علينا أمرٌ أو دعتنا أنفسُنا إلى أن نغلِّبَ أهواءنا في حكمنا على ما يعرِضُ لنا من أمورٍ نتوهَّمُ أنَّ باطنَها هو عينُ ظاهرِها، لما انتهى بنا الأمرُ بعدها إلى المسارعةِ لإطلاقِ الأحكامِ، وبما يتعارضُ مع ما دعانا إلى الاحتكامِ إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من وجوبِ أن نغلِّبَ التقوى على ما يدعونا إليه الشيطانُ من إطاعةٍ له ولما يأمرُ به الهوى. ولا أدلَّ على ذلك من إعراضِنا عن التروِّي والتمهُّل وإيثارِنا التسرُّعَ والتعجل في حكمِنا على بعضِنا البعض، ناسين ما بيَّنَه لنا دينُنا من أنَّ الأمورَ لا ينبغي أن تُقرأَ بظواهرِها، وأنَّ الأعمالَ بخواتيمِها!
ولنأخذ مثالاً على ذلك ما صدرَ عن الرئيسِ الأمريكي الجديد دونالد ترمب من تصريحٍ بخصوصِ تفريغِ غزةَ من أهلِها، وذلك بغيةَ توطينِهم في أماكنَ أخرى “أكثرَ أماناً وجمالاً”. فمسارعةُ البعضِ منا إلى الحكمِ على هذا التصريح كما لو أنَّه أمرٌ واقعٌ متحققٌ لا محالة، إنما تفتقرُ إلى كثيرٍ مما وردَ أعلاه من تفصيلٍ لما ينبغي أن يكونَ عليه الحكمُ على ما يعرضُ لنا من قولٍ أو فعلٍ يتعارضُ مع ما نريد. فما يدرينا، فلعل ترمب يقصدُ إلى أشياءَ أخرى غيرَ هذا الذي نظن! فلو كان ترمب كمن سبقه من الرؤساء الذين حكموا أمريكا، لحقَّ لنا أن نحكمَ على تصريحِه هذا بأنه سيعملُ جاهداً على تحقيقِه حتى ولو اقتضى منه الأمرُ أن يجعلَها فيتنام أخرى! ولكن ترمب ليس كهؤلاء الذين سبقوه، وذلك كما يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّر سيرتَه ومسيرتَه خلال سِني رئاستِه الأولى والسنواتِ التي أعقبتها حتى فازَ برئاسةٍ أخرى. فالرجلُ لا ينبغي لنا أن نحكمَ عليه كما لو أنه لن يتغيرَ، وذلك كما عوَّدَنا على ذلك في مراتٍ كثيرةٍ أخرى. فلننتظر إذاً، ولنستذكر ونتدبَّر قولَ اللهِ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ” و””قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ”.

أضف تعليق