
وردَ اسمُ اللهِ تعالى “الأول” واسمُه تعالى “الآخِر” متلازمَين مرةً واحدةً في القرآنِ العظيم، وذلك في الآيةِ الكريمةِ 3 من سورةِ الحديد: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). ولقد أخفقَ كثيرٌ منا في تبيُّنِ معنى اسمِ اللهِ تعالى “الآخِر”، وذلك بسببٍ من إصرارِنا على مقاربةِ هذا الإسم الجليل مقاربةً حملَنا عليها ظنٌّ واهمٌ مفادُه أنَّ المنطقَ القرآني لا اختلافَ بينه وبين منطقِنا البشري وبما يوجبُ علينا، والحالُ هذه، أن نُعمِلَ في الأمرِ ما دأبنا على الأخذِ به من تبيُّنِ الشيءِ بضديدِه! فإذا كان معنى اسمِ اللهِ تعالى “الأولُ” هو “الذي ليس قبله أحدٌ أو شيء”، فإنه لمن “المنطقي” أن يكونَ معنى اسمِه تعالى “الآخِر” هو ضديدُ “الأول”، أي “ليس بعده أحدٌ أو شيء”. وهذا الإصرارُ على تماهي المنطقَين، الإلهي والبشري، قد نأى بنا عن تبيُّنِ معنى “الآخِر” كما وردَ في القرآنِ العظيم؛ هذا المعنى الذي يُجلِّيه لنا تدبُّرُ العبارةِ الشائعة التي نَصُّها “الحبُّ الأول والأخير”. فمعنى “الأخير” هنا هو “الآخِر”. فإذا كانت عبارةُ “الحب الأول” مفهومةً، فإنَّ عبارةَ “الحب الأخير” ليس لها من معنى غيرُ ذاك الذي تنطوي عليه الكلماتُ التالية: “الحب الأخير الذي ليس معه أو بعده حبٌّ آخَر”. فالأمرُ لا علاقةَ له إذاً بما انتهينا إليه من تضمينٍ لكلمةِ “الآخِر” بمعانٍ فلسفيةٍ لو أننا أنصفنا فقرأنا تتابعَ اسمَي اللهِ تعالى “الأول والآخِر” قراءةً تجنحُ بنا بعيداً عن الغلوِّ والمغالاةِ وافتراضِ تعقيدٍ لا يشهدُ له القرآنُ العظيم بأنه مما تمتازُ به آياتُه الكريمة من تيسيرٍ للذِّكر، لتبيَّنَ لنا أنَّ الأمرَ لا يقتضي هذا التعقيدَ، وأنَّ اللهَ تعالى هو “الأولُ الذي ليس هناك من شيءٍ قبله، وأنَّه هو الآخِرُ الذي ليس معه إلهٌ غيرُه”.
