
لا يزالُ العِلمُ يقاربُ ظواهرَ الوجود، ومنها الظاهرةُ الإنسانية، بذاتِ المقاربةِ الفلسفية- الميتافيزيقية التي رافقته منذ بداياتِ تشكُّلِه على يد علماءِ الحضاراتِ القديمة. فالعلمُ لا يريدُ أن يصدِّقَ أنَّ للوجودِ إلهاً خالقاً فاعلاً مدبِّراً لن تنتهيَ بنا محاولةُ إقصائه بعيداً عن معادلةِ الوجودِ إلا إلى مزيدٍ من التخبُّطِ والخوضِ في الجهالاتِ والافتراضاتِ وبما لا يقرِّبُنا البتة من تبيُّنِ ما قُدِّرَ لنا أن نحيطَ به من هذا الذي يشتملُ عليه الوجودُ من وقائعَ وظواهرَ وأحداث. فالأمرُ كان ليتخذَ وجهةً أخرى غيرَ هذه التي انتهينا إليها بتحكيمِنا افتراضاتِ العِلمِ فيما أحطنا به من مجرياتِ أحداثِ الوجود. فمن المنطقي إذاً ألا نمكَّنَ من تبيُّنِ أصلِ الإنسان وأصلِ اللغةِ التي يتحدثُ بها وأصلِ الدينِ الذي لا يستطيعُ أن يفرَّ منه إلا إليه! فالسبيلُ الوحيد لتبيُّنِ حقيقةِ أصلِ الإنسان ولغتِه ودينِه هو بأن نقرَّ بأنَّ الإنسانَ أكثرُ تعقيداً من أن يكونَ سليلَ الحيوان الذي لا يمتلكُ لغةً على هذا القدرِ الهائلِ من التعقيدِ والتجريد والقدرةِ على توصيفِ ما ليس له وجودٌ في واقعِه، وبأنَّ الحيوانَ لن يكونَ له يوماً ديناً كذاك الذي ابتدأَ الإنسانُ رحلتَه الدينيةَ متديناً به أو بأي دينٍ آخرَ من تلك الأديانِ التي تفنَّنَ الإنسانُ في ابتداعِها إشراكاً منه باللهِ الواحدِ الأحد واتِّخاذاً لآلهةٍ استغنى بها عن هذا الإلهِ الواحدِ الأحد.
