
تقدِّمُ لنا أساطيرُ الشعوب مادةً خصبةً مترعةً بكلِّ ما من شأنه أن يعينَ العقلَ المتدبرَ على تبيُّنِ “طبيعةِ الإنسان”، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بما يشغلُ بالَه وخيالَه من شواغلَ تعيَّنَ عليه الانشغالُ بها بسببٍ من طبيعتِه هذه. فطبيعةُ الإنسانِ تحتِّمها حقيقتُه التي لا يملكُ أن يواريَها بعيداً عن ناظرَي كلِّ مَن يتدبرُها كما تجلّيها هذه الأساطيرُ دخاناً لابد وأن ينتهيَ بنا التفكرُ الحصيفُ في أصلِه إلى العودةِ إلى النارِ التي ما كان له أن يتصاعدَ منها لولا ما أُلقِيَ فيها من شوائبَ خالطَت صفاءها ونقاءها. ولنأخذ مثالاً على ذلك هوَسَ الإنسانِ بالخلودِ وسعيَهُ الدائبَ وراء كلِّ سرابٍ أوهمته نفسُه بأنه لامحالةَ واجدٌ عنده مقصدَه ومرادَه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (39 النور). فاللهُ تعالى هو مَن علَّمَ آدم ما ينتظرُه في الآخرةِ من خلودٍ في الجنةِ أو في النار، فما كان من نفرٍ من ذريتِه إلا أن استعاضوا عن السعي وراء الخلودِ في جنةِ الآخرة بسعيٍ ضرارٍ وراء خلودٍ مزعومٍ في هذه الحياةِ الدنيا! وهذا ما نجدُه واضحاً جلياً في كثيرٍ من أساطيرِ الشعوبِ التي حفظت لنا أمثلةً على هذه المساعي الخائبة! فالإنسانُ لابد وأن يجدَ ضالتَه فيخلَّدَ في هذا العالَمِ إن هو أكلَ “تفاحةَ الشباب”، أو شربَ من شرابِ “الآلهة”، أو ارتشفَ رشفةً من ينبوعِ “ماءِ الحياة”! وحدها أسطورةُ “گلگامش” أنبأتنا بما عجزت غيرُها من أساطيرِ الشعوب عن أن تنبأنا به بهذا الشأن. صحيحٌ أن گلگامش انطلقَ من بابلَ ساعياً وراء “عشبةِ الخلودِ”، وصحيحٌ أنه قد عثرَ عليها وعادَ بها إلى بابل، غير أنه لم يلبث أن فقدها في طريقِ عودتِه حين أرادَ أن يغتسلَ بماءِ النهر فباغتته حيةٌ أكلت العشبة. عندها تبيّن گلگامش أن الخلودَ لم يُكتب للإنسانِ في هذا العالَمِ بالمعنى الذي كان يسعى وراءه!
