في معنى “الأمين” في القرآنِ العظيم

وردت كلمةُ “الأمين” في القرآنِ العظيم بمعانٍ ثلاث. فقد جاءت بمعنى الحفيظ الذي لا يُخشى على ما استُودعه من أمانةٍ شيءٌ، فهو المؤتمَنُ الذي لا يفرِّطُ فيما ائتُمن عليه إذ يتكفلُ بإيصالِه إلى الوجهةِ التي عُهِدَ إليه بأن يوصلَه إليها دون زيادةٍ أو نقصان. فسيدُنا جبريل قد عهد اللهُ تعالى إليه بأن يُنزِلَ القرآنَ على قلبِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فدبَّرَ الأمرَ على أتمِّ وجه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (192- 194 الشعراء).
أما المعنى الثاني لكلمةِ “الأمين”، فإن بإمكاننا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 26 القصَص: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). فسيدُنا موسى قد خلَّفَ في نفسِ ابنةِ سيدِنا شعيب من طيبِ الأثر ما جعلَها تشيرُ على أبيها بأن يستأجرَه معللةً ذلك بقولِها “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ”، وذلك لأنها تبيَّنت في القَصَصِ التي قصَّها سيدُنا موسى على أبيها قوتَه وأمانتَه التي جعلته لا يخفي أمرَ قتلِه لمن لم يكن من شيعتِه. فـ “الأمينُ” هنا هو “الذي يقيمُ الشهادةَ للهِ ولو على نفسِه فلا يضيفُ إليها شيئاً ولا ينقصُ منها شيئاً”.
وأما المعنى الثالث لكلمةِ “الأمين” في القرآنِ العظيم، فإن بإمكانِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (3 التين). فهذه الآيةُ الكريمة تشيرُ إلى مكةَ المكرمة التي جعلَها اللهُ تعالى “حرماً آمناً”. فـ “البلدُ الأمين” تعني “البلدُ الآمِن الذي لا يُخشى على من أقامَ فيه ما يُخاف”. فالناسُ كانت تنعمُ في مكةَ بالأمنِ والأمانِ، في الوقتِ الذي كانوا يُتخطَّفون خارجَها:
1- (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (67 العنكبوت).
2- (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (من 126 البقرة).
3- (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (35 إبراهيم).
فـ “البلدُ الأمين” إذاً هو البلدُ الآمِن الذي دعا سيدُنا إبراهيم اللهَ تعالى أن يجعلَه كذلك.

أضف تعليق