
يبالغُ الإنسانُ، كائناً ما كان، في تعظيمِ قدرِ عقلِه، حتى وإن كان عالِماً يُفترضُ به ألا ينقادَ إلا إلى ما تجودُ به عليه الظواهرُ وترفدُه به التجارب! فكم من الظواهرِ والتجارب لا يملكُ مَن يتدبرُها غيرَ أن يخلصَ إلى نتائجَ لا تتفقُ مع ما ابتغاه العقلُ المتدبرُ لها؟! فالتطوريون التقليديون على سبيلِ المثال، وبإصرارِهم على أنَ الإنسانَ سليلُ الحيوانِ ونتاجُ رحلةِ تطورٍ ابتدأت به، قد أغفلوا تبينَ ما يتمايزُ به الحيوانُ عن الإنسانِ، وذلك لإصرارِهم على أن التشابهَ القائمَ بينهما يفوقُ ما يختلفان به أحدُهما عن الآخر! ولو أن هؤلاء لم يغفلوا عن تدبرِ الأمر دون تعظيمٍ للمتشابهاتِ والمشتركات، وتحقيرٍ لما يختلف به الإنسانُ عن الحيوان، لما انتهى بنا الأمرُ إلى القولِ بأن دراستَنا للحيوان تكفلُ لنا أن نفهمَ الإنسانَ فهماً يوجبُه ما يجمعُ بينهما من تشابهٍ يحتمُ علينا وجوبَ الخلوصِ إلى نتيجةٍ مفادُها ألا حاجةَ هنالك لافتراضِ وجودِ خالقٍ خلقَ الإنسانَ وبالكيفيةِ التي فصَّلها لنا دينُه الحنيف. ويكفينا استدلالاً على ما بين الإنسانِ والحيوان من تباينٍ واختلاف وتناشز أن نتدبرَ جانبٍاً من جوانبِ “الضعفِ الخَلقي” للإنسان، ألا وهو ما ثبتَ لدى العلماء من أن الإنسان، وبخلافِ الحيوان، لن يجنيَ من سفاحِ القربى (زواج المحارم) إلا شديدَ معاناةٍ من أمراضٍ وراثيةٍ فرضَتها عودةُ ما كان قد تنحى ليسودَ تارةً أخرى، وبالمعنى الذي يحتِّمُ وجوبَ انقراضِ البشريةِ خاتمةَ المطاف. إن ضعفَ الإنسانِ الخَلقي حقيقةٌ سبقَ القرآنُ العظيمُ العلمَ إليها، وذلك كما يتبينُ لنا بتدبرِ قولِ اللهِ تعالى (وَخُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفاً) (من 28 النساء).
