
نقرأُ في سورةِ المائدة، وفي الآيةِ الكريمة 111 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ). يُبيِّنُ لنا تدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمة أنَّ الحواريين أقرُّوا بأنهم قد آمنوا إيماناً استشهدوا اللهَ تعالى عليه. كما ونقرأُ في الآيةِ الكريمة 112 من سورةِ المائدة: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). فلماذا سألَ الحواريون سيدَنا عيسى “هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ” من بعد أن استشهدوه بأنهم مسلمون؟
يتكفلُ بتبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآيةَ الكريمة 115 المائدة: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). فقولُ اللهِ تعالى للحواريين: “فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ” ينطوي على الإجابةِ على سؤالِ الحواريين أعلاه. فاللهُ تعالى ما كان ليهدِّدَ القومَ لولا أنهم قد سألوه ما لا ينبغي. وهذا يذكِّرُنا بما جاءتنا به سورةُ المائدة من آياتٍ كريمة قبل هذه الآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين) (101- 102 المائدة).
