هل هناك فرقٌ في المعنى بين قولِ اللهِ “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ” وقولِه تعالى “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ”؟

تقديمُ الكلماتِ في القرآنِ العظيم وتأخيرُها لا ينبغي أن نحكِّمَ فيه ما نخالُه العلةَ الموجبةَ لهذا التقديم والتأخير! فالكلمةُ القرآنيةُ قد تتقدَّم، أو تتأخر، في سياقِ النصِ القرآني، وذلك تبعاً لمنطقِ هذا السياق الذي لا ينبغي أن نحكِّمَ فيه ما لا حُكمَ له عليه من منطقِنا البشري الذي ليس له بالضرورة أن يتماهى مع المنطقِ القرآني. ولنأخذ مثالاً على ذلك “التقديمَ والتأخيرَ” بين كلمتَي “الإنس” و”الجن”. فبتدبرِ المواطنِ القرآنيةِ التي تلاحقَ فيها ذكرُ هاتين الكلمتَين يتبينُ لنا أن هنالك منطقاً قرآنياً في تقديمِ كلمةِ “الإنس” على كلمةِ “الجن” تارة، وتأخيرِها عنها تارةً أخرى. فلأن الجنَ سبقَ خلقُه خلقَ الإنس، فقد تقدمَ ذِكرُ “الجن” على ذِكرِ “الإنس” في الآيةِ الكريمةِ 56 الذاريات: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). ولأن اللهَ تعالى اختصَّ الإنسَ بقرآنِه العظيم، فقد تقدم ذِكرُ “الإنسِ” على ذِكرِ “الجن” في قولِه تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (88 الإسراء).
غيرَ أن هذا لا يلزمُ عنه بالضرورة وجوبُ أن نفترضَ أن هنالك سبباً مماثلاً يكمنُ من وراءِ تقدم كلمةِ “لهو” على كلمةِ “لعب” في الآيةِ الكريمة 64 من سورةِ العنكبوت (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ)، وذلك لأن كلمةَ “لعب” تتقدم على كلمةِ “لهو” في آيةٍ كريمةٍ أخرى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) (31 الأنعام).
يتبين لنا، وبتدبرِ ما تقدم، أن ما ينبغي علينا أن نحتكمَ إليه عند تدبُّرِنا النصَّ القرآنيَّ الشريف هو ما يُمليه علينا منطقُ هذا النصِّ الإلهي وليس منطقَنا البشري.

أضف تعليق