ما الذي يعنيه كونُ الإنسانِ قد خُلِقَ ضعيفاً؟

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ في أحسنِ تقويم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (1- 4 التين). غير أنَّ الإنسانَ، ومن بعد أكلِ أبوَيه من شجرةِ الجنةِ التي نهاهما اللهُ عنها، تعيَّنَ عليه أن يعانيَ معاناةً تجلَّت في هذا الذي أصبحَ عليه من “ضعفٍ خَلقي” تعددت مفرداتُه وتنوعت حتى طالت بُنيتَه الجسميةَ والعقلية. وليس المقصودُ بالضعفِ الخَلقي هذا أن الإنسانَ قد أصبح عاجزاً عن أداءِ ما كان بمقدورِه أن يؤديَه؛ فهو ليس عجزاً طالَ عضلاتِه فجعلَها عاجزةً، وذلك مقارنةً بما كانت عليه قبل الأكل من الشجرة، وإنما هو عجزٌ أصابَ جهازَه المناعي فجعلَه عرضةً للإصابةِ بجيوشٍ من الفايروسات والمايكروبات وغيرِها من مسبباتِ الأمراض التي لم يكن بمقدورِها، قبل الشجرة، أن تنالَ منه فتُمرِضَه. ويكفينا دليلاً على هذا أن نقارنَ بين الحيوانِ والإنسان، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بكفاءةِ أداءِ الجهاز المناعي لكلٍّ منهما. فالحيوانُ أقل أمراضاً من الإنسان وبما ليس باليسيرِ تبيانُه وحسابُه وإحصاؤه.
وأما ضعفُ الإنسانِ الخَلقي الذي طالَ عقلَه، فيكفينا أن نستذكرَ هذا الذي هو عليه الإنسانُ من “عجزٍ نفسي” عن التكيُّفِ مع متغيراتِ الواقع وبما ينعكسُ سلباً على قدرتِه على التصدِّي للأخطارِ وغيرِ ذلك من المؤثراتِ التي يختلُّ لها توازنُه النفسي ويعتلُّ تبعاً لها اتزانُه العقلي. فالإنسانُ، وبالمقارنةِ مع الحيوان، يمتلكُ سجلاً من الأمراضِ النفسيةِ والأعراضِ السايكولوجية يحتاحُ الأمرُ معهما إلى عشراتِ الصفحات حتى نحيطَ بهما تعداداً فإحصاءً. فالطبيعةُ ما كانت لتشهدَ كلَّ هذا الذي تعرضت له على يدِ الإنسانِ من عدوانٍ ظالمٍ وإفسادٍ وطغيان لولا ما أصابَ الإنسانَ من ضعفٍ خَلقي طالَ بُنيتَه النفسية. وما الجرائمُ بشتى أنواعِها، ولا الحروبُ، إلا بعضٌ من نتاجِ هذا “الضعف الخَلقي” الذي طالَ عقلَ الإنسان فجعلَه ملتاثاً موبوءاً لا أملَ يُرتجى له بالشفاء إلا بشقِّ الأنفس. وصدقَ اللهُ تعالى القائلُ في قرآنِه العظيم: (وَخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً) (من 28 النساء). والقائلُ أيضاً: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون) (5- 6 التين).

أضف تعليق