
الإنسانُ كائنٌ مفتونٌ بنفسِه فتنةً مزدوجة؛ فهو من جهةٍ قد ابتلاه اللهُ تعالى بنفسِه أيضطرُّها إلى الإذعانِ لإرادتِه فيحملُها على الخضوعِ للهِ وتسليمِ أمرِها إليه، ومن جهةٍ أخرى فهو مغرمٌ بنفسِه هذه وإلى الحدِّ الذي يجعلُه لا يكادُ يعصي لها أمراً وإن كان في ذلك هلاكُه ودوامُ شقائه في الدنيا والآخرة! وإلا فكيف لنا أن نفهمَ العلةَ من وراءِ ما صدرَ عن الفيلسوفِ الفرنسي “جان جاك روسو” من توصيفٍ لما يُظهرُه الحيوانُ في الغابةِ من التزامٍ بشِرعتِها وقانونِها بأنه “شريعةُ الغاب” التي حرصَ الحِرصَ كلَّه على التحذيرِ من أن يجنحَ المجتمعُ البشري إلى التشبُّهِ بها واتِّخاذِها منهاجاً له لا يحيدُ عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؟! ويبدو أنَّ مقولةَ الفيلسوفِ الفرنسي هذه قد وجدَت لها من الكثيرين آذاناً صاغية، وإلا فكيف لنا أن نفسِّرَ ذيوعَها وانتشارَها انتشارَ النارِ في الهشيم في شتى بقاعِ العالَمِ وأصقاعِه؟! ولو أن “روسو”، وغيرَه ممن تبنَّوا هذا الطرحَ “غيرَ العِلمي”، أمعنوا النظرَ قليلاً، وأعملوا الفكرَ كثيراً، لتبيَّنَ لهم أنه لمن عظيمِ الظلمِ أن نصفَ “شريعةَ الغابِ” التي يعملُ بمقتضاها الحيوانُ هي مما ينبغي علينا أن نحذرَ من العملِ بموجبِه!
فكيف فاتَ أولئك الذين يقولون بأنهم يؤمنون بأن للكونِ إلهاً خالقاً هو اللهُ تعالى، أنَّ قولَهم بما زعمَ به “روسو” يتعارضُ مع إقرارِهم بأنَّ الطبيعةَ، ومَن فيها من الحيوانِ، كلٌّ قد “أعطاهُ اللهُ خَلقَه ثم هَدى” هُدىً لا يستقيمُ معه القولُ بأنَّ الغابةَ تحكمُها “شِرعةُ الغابِ”، وبالمعنى الذي زعم به “روسو”؟!
وفي المقابل، كيف فاتَ القائلين بأنَّ “الكونَ لا يحتاجُ إلهاً خالقاً ينظِّمُ أمورَ كائناتِه” أنَّ الغابةَ لو كانت تتبِّعُ “شِرعةَ الغاب”، وبالمعنى الذي قصدَ إليه “روسو”، لما كان ليبقى فيها حيوانٌ أبداً؛ إذ كان قويُّها سيفترسُ ضعيَفها، ولانتهى الأمرُ بقويِّها بعدها إلى الفناءِ والانقراضِ من بعدِ زوالِ ما دأبَ على افتراسِه والاقتياتِ عليه؟!
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ “شِرعةَ الغاب” هي شرعةُ اللهِ التي نظَّمَ بها شؤونَ الحيوانِ قويِّه وضعيفِه، وبالكيفيةِ التي تكفلُ للكلِّ أن يتعايشَ فيها تعايشاً ليس فيه عدوانٌ ظالمٌ ولا طغيان، وبما يؤمِّنُ بقاءَ الأرانبِ والسناجبِ، وغيرِهما من ضعيفِ الحيوان، في غابةٍ تمتلئُ بالأسودِ والنمورِ وغيرِها من قويِّ الحيوان.
