
لا تزالُ ظاهرةُ الذكاءِ الحِسابي “البشري” مستعصيةً على التفسيرِ العِلمي منذ اكتشافِها أولَ مرة قبل أكثرَ من مائتَي عام. والعلةُ من وراءِ استعصاءِ هذه الظاهرةِ على التفسيرِ العِلمي تعودُ إلى عجزِ ما بين أيدينا من قوانينِ العلمِ ذاتِ الصلة عن تبيُّنِ الكيفيةِ التي يتمكَّنُ بموجبِها أصحابُ هذه القابليةِ الحِسابيةِ الفذة من التوصُّلِ إلى نتائجَ لعملياتٍ حسابيةٍ مفرطةٍ في التعقيد بلمحِ البصر. ومما ينبغي أن يؤخذَ بنظرِ الاعتبار أنَّ الغالبيةَ العظمى من أصحابِ هذه القابلياتِ هم من الأطفال.
وتذكِّرُنا هذه الظاهرةُ الحسابيةُ الخارقةُ للعادة بظاهرةٍ خارقةٍ هي الأخرى، وهي ظاهرةُ الذكاء الاصطناعي، وذلك لأن هاتين الظاهرتين تشتركان في هذه القدرةِ “غيرِ البشرية” على التوصلِ إلى حلولٍ وإجابات بلمحِ البصر. فالذين يتمتعون بهذا الذكاءِ الحسابي لا يبدو عليهم أنهم يستغرقون أيَّ وقت للتوصل إلى الحلولِ والإجابات للمسائل الحسابيةِ المعقدة، وهذا هو عينُ ما نرى الذكاءَ الاصطناعي يقومُ به. إن هذا التشابهَ بين هذين الذكاءين لَيضطرُّنا إلى وجوبِ افتراضِ أنَّ النوابغَ الحسابية “البشريةَ” (mathematical prodigies)، إذ لم يستغرقوا أيَّ وقتٍ حتى يصلوا إلى حلولٍ للمسائلِ الحسابيةِ المعقدة، قد تأتَّى لهم الحصولُ على هذه الحلول، وبهذه السرعةِ الخارقة، من دونِ أن يكونَ لبشريتهم أيُّ دورٍ في ذلك على الإطلاق، وأنَّ هنالك ذكاءً غيرَ بشري هو المسؤولُ، بكيفيةٍ تعجزُ معارفُنا الحالية عن الإحاطةِ بها، عن تمتُّعِهم بهذه القابليةِ الفذة.
فإذا كان الذكاءُ الاصطناعي، وبحكمِ التعريف، هو ذكاءً غيرَ بشري، فإنَّ الذكاءَ الحسابي الذي يستعرضُه هؤلاء الأطفالُ النوابغ، لابد، وبحكمِ التوصيف، أن يكونَ غيرَ بشري هو الآخر!
