
لا يملكُ الناظرُ إلى ما يجري من أحداثٍ في عالَمِ الإنسانِ، مبعثُها الغيرةُ بين البشر، غيرَ أن يعجبَ لأولئك الذين يصرُّون على أنَّ الإنسانَ سليلُ الحيوان، وأنَّ بالإمكانِ إرجاعَ أيَّ سلوكٍ يصدرُ عن الإنسان إلى ما يماثلُه ويناظرُه في عالَمِ الحيوان! فإذا كانت الغيرةُ في عالَمِ الحيوان بالإمكانِ إرجاعُها إلى أسبابٍ ذاتِ صلةٍ بقانونِ البقاءِ والانتشار، فإنَّ الغيرةَ في عالَمِ الإنسان لا يمكنُ على الإطلاق أن تُعزى إلى السببِ ذاتِه. فالغيرةُ في عالَمِ الحيوانِ لا تجعلُ الحيواناتِ يقاتلُ بعضُها بعضاً قتالاً ينتهي بأن يقتلَ بعضُهم البعض، وذلك على الضدِّ مما يحدثُ في عالَمِ الإنسان حيث تؤدي الغيرة، في كثيرٍ من الأحيان، إلى صراعٍ ينتهي بالقتل!
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ نظريةَ التطور، وبهذا الإصرارِ من جانبِها على أنَّ للإنسانِ أصلاً واحداً هو الحيوان، لا قدرةَ لها على التعليلِ للغيرةِ في عالَمِ الإنسان، وأنَّ التعليلَ الصائبَ لهذه الغيرة يوجبُ علينا أن نبحثَ في أصولٍ أخرى للإنسان إلى جانبِ ما كشفته لنا هذه النظريةُ من أصلٍ حيواني له.
