ما الذي يجعلُ الرجالَ أكثرَ انشغالاً بالفلسفةِ من النساء؟

لا أدلَّ على فسادِ رأي منكِري التطور البشري في رحلةِ تخلّقِ الإنسان من طورٍ خَلقي إلى طورٍ آخر من هذا التمايزِ القائمِ بين ذكرِ الإنسانِ وأنثاه، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بما اختُصَّ به كلٌّ منهما من توجُّهٍ صوبَ انشغالاتٍ بِعَينِها. فلو أننا تقصَّينا أصلَ هذا التمايزِ لانتهى بنا الأمرُ إلى ما جُبِلَ عليه الذكرُ والأنثى في عالَمِ الحيوان من “تخصُّصٍ خَلقي” تعيَّنَ عليهما أن يخضعا لآلياتِه التطورية خضوعاً يحتِّمُ عليهما وجوبَ الانشغالِ بما كُلِّفَ به كلٌّ منهما من أعمالٍ لابد من هذا “التخصُّصِ الدقيقِ” حتى تُنجَزَ على أتمِّ وجه. فالذكرُ في ِعالمِ الحيوان يتعيَّنُ عليه غيرَ ما يتعيَّنُ على الأنثى، وذلك ليتأتَّى للنوعِ أن يُمضِيَ إرادتَه التي ليس للفردِ إرادةٌ فوقها. ومن تجلياتِ هذا “التمايزُ التخصصي” بين الذكرِ والأنثى في عالَمِ الحيوان أن أصبحَ للذكرِ مهامٌ غيرُ تلك التي توجَّبَ على الأنثى القيامُ بها. فإذا كان شُغُلُ النوعِ الشاغلُ هو ضمانَ دوامِ انتشارِه، ومن ثم استمراريتِه، فليس للفردِ من قيمةٍ في نظرِ النوع إلا بما يملكُه من قدرةٍ على رفدِه بأفرادٍ جددٍ بهم يتمُ ضمانُ دوامِ انتشارِ النوعِ واستمراريتِه. ولذلك كانت الأنثى في نظرِ النوع أكبرَ قيمةً من الذكر أما وأنها هي التي يتعيَّنُ عليها أن تسهرَ على رعايةِ هؤلاء الأفرادِ الجدد وتؤمِّنَ لهم الحمايةَ والغذاءَ حتى يبلغوا أشدَّهم. ولقد ترتَّبَ على ذلك وجوبُ أن تتمايزَ طبيعةُ الأنثى عن طبيعةِ الذكرِ تمايزاً توارثته الأنواعُ الحيوانيةُ وتناقلته خلال رحلةِ تطورِها الخَلقي والتي انتهت بظهورِ الإنسان.
فعزوفُ النساءِ عن الفلسفة ليس سببَه القوالبُ الجاهزةُ التي فرضَها المجتمعُ البشري على النساء، كما فرضَها على كلِّ مَن لا حولَ له ولا قوة من الفقراءِ والمستعبَدين وأسرى الحروب وغيرِهم ممن هم في الدرَكِ الأسفلِ من السلمِ الاجتماعي، وذلك كما يظنُّ البعض. فـ “العقلُ الفلسفي” لا يحتاجُ من المجتمعِ إذناً ولا اعترافاً به لكي يتَّجهَ صاحبُه صوبَ اتِّخاذِ الفلسفةِ منهاجاً له في تعاملِه مع الأشياءِ مجرَّدِها وعيانِها! فالعقلُ الفلسفي يفرضُ إرادتَه على صاحبِه ويسيِّرُه صوبَ الوجهةِ التي يرتأيها شاءَ صاحبُه أم أبى من دون أي التفاتٍ لما يحبِّذه المجتمعُ أو ينفِّرُ منه. فلو كانت المرأةُ قد تطورت، في رحلة تخلُّقها من عالَمِ الحيوانِ إلى عالَمِ الإنسان من دون أن تكونَ لإرادةِ النوعِ ما تقولُه بهذا الشأن من تخصيصٍ للمهامِ التي ألقاها على عاتقِها، لخرجَ من النساءِ أيضاً فلاسفة، هذا إن كان للمجتمعِ البشري أن يبقى من دون أن ينقرضَ جراءَ انتفاءِ وجودِ التمايزُ التخصُّصي ذكوراً وإناثاً، آباءً وأمهات!

أضف تعليق