
حمَّلَ إخوةُ سيدِنا يوسف الذئبَ وزرَ ما حلَّ بأخيهم: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ. قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ. وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (16- 18 يوسف).
وهذا الذي صدرَ عن إخوةِ سيدِنا يوسف بحق الذئب لَيُذكِّرُنا بما دأبَ عليه كثيرٌ من الرجالِ بتحميلِهم المرأةَ وزرَ ظهورِ الشرِّ في العالَم بتجلياتِه كلِّها ما ظهرَ منها وما بطن! فكم منا لم يقدر القرآنَ حقَّ قدرِه إذ يقولُ في النساءِ ما لم يرِد فيه؟! وكم منا لا يجدُ غضاضةً في أن يعزوَ إلى القرآنِ قولاً لم يرِد فيه؟! فنحن لا نزالُ نسمعُ البعضَ يقولُ في النساءِ: “إن كيدهن عظيم”، وذلك ظناً من هذا البعض أنه يردد آيةً من القرآنِ العظيم، وما هي بآية! فالشاهدُ من أهلِ امرأةِ العزيز الذي شهدَ لسيدِنا يوسف قال (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (من 28 يوسف). فالشاهدُ لم يقصد بقولِه الذي حفظه لنا القرآنُ العظيم النساءَ كلَّ النساء، ولكنه توجَّه بقولِه هذا إلى امرأةِ العزيز وصاحباتها فحسب.
إنَّ تحميلَ المرأةِ ما لم تقله أو تفعله، وأخذَها به، ومؤاخذتَها عليه، أمرٌ لم يخلُ منه زمانٌ ولا اقتصرَ على حضارةٍ بِعينِها دون أخرى. ويكفينا تدليلاً على ذلك أن نستذكرَ ما وردَ في العهدِ القديم من زعمٍ مفادُه أنَّ حواءَ هي التي أغوت آدم وجعلته يأكلُ من التفاحةِ، فتوجَّبَ عليه بالتالي أن يُخرجَ من الجنة! وهذا أبعدُ ما يكون عن حقيقةِ ما حدث. فما حدث حقاً وحقيقةً هو ما أنبأنا به القرآنُ العظيم بهذا الخصوص: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (115- 121 طه).
وقد يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ الذي وردَ في العهدِ القديم بشأنِ حواء لم يجد له آذاناً صاغيةً مصغية عند بعض من انبروا لتفسيرِ قصةِ آدمَ وزوجِه كما وردت في القرآنِ العظيم. وهذا ظنٌّ يدحضُه ويفنِّدُه ما ذهبَ إليه بعضُ المفسرين الذين نهجوا نهجَ العهدِ القديم فزعموا بأنَّ حواء هي من أغوت آدم، وهي من أخرجته بالتالي من الجنة!
وإذا كان ما تقدم لا يكفي للتدليلِ على فداحةِ الظلمِ الذي تعرضت له المرأةُ عبر التاريخ، فلنا في قصةِ السيدة سارة زوجةِ سيدِنا إبراهيم ما يكفينا دليلاً وبرهاناً على ذلك! فأنت إن سألتَ عن العلةِ من وراءِ رحلةِ سيدِنا إبراهيم بزوجه هاجر وابنِه إسماعيل، إلى وادٍ غيرِ ذي زرعٍ عند بيتِ اللهِ المحرم، فسوف تلقى إجابةً لا تقلُّ ظلماً عن تلك التي حمَّلت حواءَ وزرَ خروجِ آدم من الجنة! فالقومُ قد قالوا في السيدةِ سارة، زوجِ سيدِنا إبراهيم، ما لا يجوزُ أن يصدرَ عن امرأةٍ فاضلةٍ رافقت سيدَنا إبراهيم وأصابها ما أصابه جراءَ اعتزالِه قومَه وهجرتِه إلى الله. فالقومُ قد عزوا رحيلَ سيدِنا إبراهيم بالسيدة هاجر وسيدِنا إسماعيل، إلى وادٍ غيرِ ذي زرع بعيداً عن مكانِ سُكنى السيدةِ سارة، وتركه لهما هناك وحيدَين، إلى إجابتِه ما أرادته السيدة سارة إبعاداً لهما غيرةً التمسوا لها من الأعذارِ ما ظنوا أنَّ القولَ بـ “غيرةِ النساء” يجعلُنا نتفهمُ ما استشعرته حيالَ السيدة هاجر زوجتِه الثانية!
وهذا كلُّه محضُ افتراءٍ وخيال ما كان ليخطرَ على بال مَن قدرَ الصالحين حقَّ قدرِهم؛ فسيدُنا ابراهيم ما اصطحبَ زوجتَه هاجر، وابنه إسماعيل، إلى وادٍ غيرِ ذي زرعٍ عند بيتِ اللهِ المحرَّم، إلا استجابةً لأمرِ الله الذي لم تمضِ غيرُ سنواتٍ قلائلَ إلا وأرى خليلَه إبراهيم في المنامِ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (101- 111 الصافات).
