
لا يحتاجُ مَن يريدُ أن يتديَّنَ التديُّنَ الحَق بِدينِ اللهِ الحق أن يكونَ ذا عقلٍ خارق وذكاءٍ فائق. فكلُّ ما في الأمرِ مُضمَرٌ في جملةِ ما جاءنا به دينُ اللهِ الحق من نظامٍ تعبُّدي لابد من الالتزامِ به حتى يؤتيَ ثمرَه ويصبحَ بمقدورِ المتديِّنِ به أن يفيدَ منه الفائدةَ القصوى. ونحن إن تدبَّرنا هذا النظامَ التعبُّدي فلن نجدَ فيه ما يتطلَّبُ من المتديِّنِ غيرَ أن يكونَ ذا إرادةٍ صُلبة وعزيمةٍ لا تلين وإصرارٍ على الارتقاءِ بحالِه مع اللهِ وصولاً إلى ما يحبُّ اللهُ أن يراه في عبدِه من التزامٍ بِدينِه وشِرعتِه ومنهاجِه. وكلُّ هذا لا يستدعي من المتعبِّدِ أن يتَّصفَ بما يخالُه البعضُ خصائصَ لا مناصَ من الاتصافِ بها حتى يتحقَّقَ له ما يريد! ويتقدَّمُ العقلُ هذه الخصائصَ كلَّها جميعاً. فالعقلُ هو الذي يكفلُ، كما يظنُّ هذا البعض، للمتديِّنِ أن يتحلَّى بكلِّ ما هو كفيلٌ بأن يجعلَه أقربَ العبادِ إلى اللهِ تعالى وأكرمَهم عنده! ولذلك فلقد وقرَ لدى هذا البعضِ أنَّ المرأةَ، وبحكمٍ مما أُشيعَ عنها من أنَّها “ناقصةُ عقلٍ ودين” مقارنةً بالرجل الذي اكتملَ لديه كلٌّ من العقلِ والدين، ليس بمقدورِها، جِبلةً وخِلقةً وتكويناً، أن تبزَّ الرجلَ قربىً إلى اللهِ تعالى وأن تكونَ أجودَ منه تديُّناً وأكثرَ منه تعبداً وتقوى! ولو أنَّ القومَ تدبَّروا القرآنَ لتبيَّنَ لهم أنَّ اللهَ تعالى لم يجعل هنالك فرقاً بين الذكرِ والأنثى، يتمايزان بمقتضاه عن بعضِهما البعض قربىً منه وحظوةً لديه، إلا بما يبذلُه كلٌّ منهما من مساعٍ يبتغي بها وجهَه، وذلك بتقواه حقَّ تقاتِه وبالخوفِ منه حقَّ مخافتِه وبعبادتِه وفقاً لِما فصَّله للناسِ الكتابُ الذي جعلَه عمادَ دينِه:
- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13 الحُجُرات).
- (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (من 195 آل عِمران).
- (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (124 النساء).
فدِينُ اللهِ الحق لا يفرِّقُ بين الناس، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بأجناسِهم وأعراقِهم ومستواهم الاقتصادي وموقعِهم في سلَّمِ التفاضلِ الاجتماعي! وكلُّ ما يقتضيه الأمرُ حتى يصبحَ الإنسانُ من عبادِ اللهِ المكرَمين هو أن يكونَ ذا إرادةٍ لا تلين تُعينُه على أن يطوِّعَ نفسَه ويحملَها على ما تكرَه فيجعلَها تتديَّنُ التديُّنَ الحق بِدينِ اللهِ الحق وهي موقنةٌ بأنَّ ما من إنسانٍ أكرمَ عند اللهِ من إنسانٍ آخر إلا بمقدارِ ما جعلته إرادتُه يُحسنُ التحكُّمَ بنفسِه فلا يعودُ بعدها عبداً لها يأتمرُ بأمرِها وينتهي بنَهيِها.
