
نقرأُ في سورةِ الأنعام، وفي الآيةِ الكريمةِ 12 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). فما هو معنى “كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ”؟
يتكفَّلُ بتبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ حياتَنا الدنيا وما تنطوي عليه مما لا قيامَ لها إلا به من تفشٍّ للظلمِ واستشراءٍ للعدوان واستفحالٍ للطغيان. وتاريخُ هذه الحياةِ الدنيا، كما بالإمكانِ تبيُّنُه بقراءةِ ما بين أيدينا من الكتبِ التي وثَّقت لتاريخِ الإنسانِ المكتوب، يُري كلَّ مَن أمعنَ فيه النظرَ، وأعملَ في صفحاتِه الفكر، أنَّ القولَ بوجودِ إلهٍ عادلٍ حكيمٍ رحمنٍ رحيم لا يستقيمُ إلا بأن نُتبِعَ فنقولَ بأنَّ هذا الإلهَ لابد وأن يجعلَ لهذه الحياةِ الدنيا نهايةً حتميةً مأجولةً بأجلٍ ما أن يجيءَ حتى يحلَّ يومٌ يُحاسَبُ فيه الإنسانُ على ما كان منه فيها. ولذلك عدَّ اللهُ تعالى جمعَه الناسَ ليومِ الحساب من تجلياتِ رحمتِه التي وسعت كلَّ شيء. فيومُ الجمع، والذي هو يومُ الحساب، هو الذي به تكتملُ الصورةُ ويتَّضحُ المعنى ويتجلَّى؛ فما كان غائباً عن الأفهامِ في الحياةِ الدنيا سيغدو يومَ القيامةِ بيِّناً جلياً لا يستعصي على العقولِ والأفهام أمرُ إدراكِه وتبيُّنِ الحكمةِ التي ينطوي عليها. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى أعلاه: “كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ”.
