
الإنسانُ مخلوقٌ مبتلى شاءَ أم أبى. فالبشرُ كلُّهم جميعاً قد ابتلاهم اللهُ تعالى بنفسٍ لا تدَّخرُ وسعاً ولا جَهداً في مسعاها الهادفِ إلى استدراجِ الإنسانِ بعيداً عن صراطِ اللهِ المستقيم. والنفسُ، وبحكمِ سياقِ تخلُّقِها، كيانٌ متمردٌ على اللهِ تعالى، ولذلك فإنها تريدُ من صاحبِها أن يشاركَها تمرُّدَها هذا فيصبحَ متمرداً على اللهِ تعالى هو الآخر. وكلُّ مَن ينكرُ أن للنفسِ حضوراً في هذه التركيبةِ المعقدةِ التي اشتملت عليها خِلقةُ الإنسان، عليه أن يفسِّرَ لنا هذا الذي يستشعرُه من رغبةٍ جامحةٍ في التمرُّدِ على السلطةِ التي يستشعرُها فيما يدعوه إليه دينُ اللهِ تعالى من كلِّ ما يتعارضُ مع ما جُبِلت عليه الأنفسُ وأُحضرته من شحٍّ وتمرُّدٍ ونزوعٍ إلى المخالفةِ والممانعةِ والعصيان! وهذا ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ بعضٍ من المواطنِ القرآنيةِ التي وردَ فيها ما يشيرُ إلى ذلك:
1- (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (من 53 يوسف).
2- (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (من 9 الحشر).
3- (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ) (من 30 المائدة).
4- (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) (من 70 المائدة).
5- (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (80 المائدة).
6- (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (40- 41 النجم).
ولأنَّ الإنسانَ مخلوقٌ مبتلى، شاءَ ذلك أَم أبى، فلقد كان لزاماً عليه أن يُبتلى بمخلوقٍ آخرَ يُعينُ النفسَ في حملتِها على صاحبِها ويشدُّ على يدِها في مسعاها الهادفِ إلى النأيِ به بعيداً عن هَديِ اللهِ تعالى. ولقد بيَّنَ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم أنه قد أجازَ هذا المخلوقَ، الذي سماه “الشيطان”، بأن يفعلَ كلَّ ما بوسعِه ليُضِلَّ أولئك الذين عظُمَ في أعينِهم ما يدعوهم إليه دينُ اللهِ من إيمانٍ بالغيبِ وعملٍ صالحٍ يرضاه الله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (64 الإسراء). كما وأجازَ اللهُ تعالى الشيطانَ بأن يستعينَ بجندِه وقبيلِه من شياطينِ الجن في حملتِه هذه:
1- (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون) (27 الأعراف).
2- (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (50 الكهف).
ويعينُنا تدبُّرُ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة على أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ ما أمرَ اللهُ تعالى به الذين آمنوا من وجوبِ معاداةِ الشيطانِ وفعلِ كلِّ ما يقتضيه الأمرُ حتى لا يتَّبعَ الواحدُ منهم خطواتِه:
1- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون) (168- 169 البقرة).
2- (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (6 فاطر).
3- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) (90- 91 المائدة).
4- (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء).
فاللهُ تعالى بدعوتِه الإنسانَ إلى معارضةِ نفسِه، وإلى القيامِ بكلِّ ما يرسِّخُ هذا العداءَ لها في كيانِه، ويُتبعُ ذلك بدعوتِه الإنسانَ إلى مناصبةِ الشيطانَ العداء، فإنه إنما يدعوه إلى التمرُّدِ على هذين الكيانَين المتمرِّدَين اللذين تمردا على اللهِ تعالى وجعلا هدفَهما الوحيدَ والأوحد هو أن يضلا الإنسانَ وأن يضمنا خلودَه في نارِ جهنم وبئس المصير. فالإنسانُ لا يملكُ إذاً غيرَ أن يتمرَّدَ على هذا التمردِ الذي لا نجاةَ إلا بالتمردِ عليه.
