
من أبرزِ الأمثلةِ على إصرارِ البعضِ من مثقفينا ومفكرينا العرب على اتِّباعِ خطى مفكري ومثقفي الغرب الدعوةُ إلى الأخذِ بالمنهجِ الذي اتَّبعه مثقفو الغربِ ومفكروه في تعاملِهم المعرفي مع النصوصِ الدينيةِ التي ورثوها عن الآباءِ والأجداد. وهذا المنهجُ يقومُ على الأخذِ بما أسموه “الإصلاح الديني”، والذي هو عند أهلِ الغربِ ممتدٌّ في الزمانِ إلى مئاتِ السنين. والإصلاحُ الديني الذي كان قد ابتدأَ بدايةً موفقةً، وذلك عبر دعوتِه إلى إصلاحِ كنيسةِ القرونِ الوسطى، انتهى فيما بعدُ إلى مطالباتٍ بإصلاحِ التعاملِ مع النصوصِ الدينية التي بين أيديهم؛ وهي مطالباتٌ لم تلبث أن طالت تاريخيةَ هذه النصوص وأصلَها حتى بلغَ الأمرُ بالمطالبين بالإصلاحِ الديني إلى التشكيكِ فيها وإلى الحدِّ الذي جعلَهم ينظرون إلى هذه النصوصِ فلا يرونَ فيها ما يقتضي أن تُعاملَ معاملةً تتمايزُ بها عن غيرِها من النصوصِ غيرِ الدينية. ولقد أدى هذا التدرُّجُ في التعاملِ مع النصوصِ الدينيةِ، من قبلِ مفكري الغرب ومثقفيه، من المطالبةِ بإصلاحِ الكنيسةِ إلى مطالبةٍ بإصلاحِ النظرةِ إلى هذه النصوص. وهذا أمرٌ لا ينبغي لنا أن نأخذَ به، كما يريدنا البعضُ من مثقفينا ومفكرينا العرب أن نفعلَه، وذلك لأننا لا نحتاجُ غيرَ أن نصلحَ تديُّنَنا من بعدِ أن تبيَّنَ لنا أنَّ كثيراً منا لم يتديَّن التديُّنَ الحق بما جاءنا به الدينُ الذي أنزلَه اللهُ تعالى علينا، وأنَّ العلةَ من وراءِ مصابِنا في دينِنا تكمنُ فينا وليس في دينِنا.
وبناء على ما تقدَّم، فإنَّ الدعوةَ إلى إصلاحِ الدين هي في حقيقتِها دعوةٌ يرادُ بها أن ينتهي بنا الأمرُ بعدها إلى ما انتهى إليه مفكرو الغربِ ومثقفوه من ألا حاجةَ لنا بالدين! وهذا أمرٌ لن يفلحَ في استدراجِنا إليه مَن أخطأَ المنهجَ والمقصدَ فكان لزاماً عليه أن يضلَّ السبيل! فالصوابُ هو أن تقتصرَ دعوتُنا الإصلاحيةُ على تديُّنِنا الذي قد اعتورته، وعلى مدى قرونٍ عدة، من المخالفاتِ عما جاءنا به من عندِ اللهِ تعالى دينُنا ما جعلَنا على هذا الحالِ مع اللهِ تعالى: نقولُ ما لا نفعلُ، وقد علمنا أنَّ أكبرَ المقتِ عند اللهِ تعالى هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الصف في الآيتَين الكريمتَين 2- 3 منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون).
