
“اتِّباعُ الآخرين” سمةٌ توارثَها الإنسانُ جيلاً بعد جيل عن أسلافِه الأولين والآخرين. ولذلك فإن لهذه السمةِ تأثيراً على الإنسانِ لا يقلُّ عما لغيرِها من السِّماتِ الاجتماعية التي تناقلتها الأجيالُ من قوةِ تأثير. غيرَ أنَّ اتِّباعَ الآخرين قد يضطرُّ الإنسانَ في أحايينَ كثيرة إلى إعادةِ إنتاجِ ذاتِ الأخطاءِ التي وقعَ فيها أولئك الذين ارتأى أن يقتفيَ أثرَهم ويتَّبعَ خطاهم شرَّقوا أم غرَّبوا!
ومن ذلك ما دأبَ عليه البعضُ ممن توهَّموا أنَّ الخيرَ، كلَّ الخير، هو في اتِّباعِ أهلِ الغربِ أينما حلُّوا وارتحلوا، وفي القولِ بما قالوا أصابوا أَم أخطأوا، وفي العملِ بمقتضى المنهاجِ الذي اختطُّوه لأنفسِهم من دونِ أن نستذكرَ الحقيقةَ التي مفادها أنَّ التقدُّمَ التقني الذي تأتَّى لأهلِ الغربِ أن يحرزوا فيه قصبَ السبقِ لا يلزمُ عنه بالضرورةِ أن تكونَ خياراتُهم الفكريةُ والعقائدية هي خياراتِ كلِّ مَن أرادَ أن يفوزَ بما عندهم من ثمراتِ هذا التقدُّمِ التقني! فإذا كان أهلُ الغربِ قد ارتأى غالبيَّتُهم أن يُعمِلوا في النصوصِ الدينيةِ، التي توارثوها عن آبائهم وأجدادِهم، نقداً وتمحيصاً وبالغوا في ذلك حتى انتهى بهم الأمرُ إلى الحكمِ عليها بأنها نتاجُ عقولٍ بشريةٍ لها أن تخطئَ كما أنَّ لها أن تصيب، فإننا وبالمقابل غيرُ ملزَمين بأن نأخذَ بذاتِ المنهجِ في التعاملِ مع النصِّ الديني الذي بحوزتِنا أما وأنَّ ذلك يقتضي منا وجوبَ أن نأخذَ بذاتِ المنهجِ الذي اتَّبعوه في دراسةِ نصوصِهم الدينية، والذي انتهى بهم إلى نتيجةٍ لن يتأتى لنا أن ننتهيَ إليها، وذلك نظراً لأنَّ هذا المنهجَ قد تسنى لأهلِ الغربِ أن يستنبطوه وفقاً لمقتضياتِ تراثِهم وثقافتِهم وما تُمليه عليهم نظرتُهم إلى الإنسانِ والكونِ والعلاقةِ بينهما؛ وهي نظرةٌ لا نشاركُهم إياها. فالمنهجُ المعرفي الذي انتهجَه أهلُ الغرب في تعاملِهم مع نصوصِهم الدينية لن يجعلَنا، إن نحن التزمنا به، نصلُ إلى عينِ النتائجِ التي خلصوا إليها باتِّباعِه.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الداعين، من بَني جلدتِنا الفكريةِ والثقافية، إلى تبنِّي منهجِ أهلِ الغرب في التعاملِ مع النصِّ الديني، لا يملكون ما بوسعِه أن يقيمَ علينا الحجةَ بألا حلَّ أمامنا إلا بأن نفعلَ ما فعله أهلُ الغربِ وأن نخلصَ إلى ما خلصوا إليه!
