
كان معظمُ علماءِ القرونِ الخالية ينطلقون في سعيِهم لفهمِ الكون من منطلقٍ لا يرجون من ورائه ما يجعلُهم أولي حظوةٍ عند مَن كانت مقاليدُ الأمورِ بيدِه أميراً كان أم سلطاناً، وذلك مقارنةً مع السوادِ الأعظمِ من علماءِ اليوم الذين لم تعُد تستهويهم تلك الرغبةُ الجامحةُ في أن يتبيَّنوا حقيقةَ الكونِ وحقيقةَ ما يجري فيه! فمعظمُ علماءِ اليوم لا يحدوهم إلا سعيٌ محمومٌ للحصولِ على جائزةِ نوبل أو للارتقاءِ بمستواهم الوظيفي والاجتماعي.
هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ الغالبَ الأعمَّ من المؤسساتِ ومراكزِ الأبحاث لا شغلَ لها ولا شاغل إلا الحصولَ على ما يكفلُ لها البقاءَ في سوقٍ شديدِ التنافسِ ديدنُه التصارعُ على اجتذابِ المستثمرين وما في جيوبهم من مال! ولذلك، وبهذا السعيِ إلى الشهرةِ والمال، من قِبل العلماءِ والمؤسساتِ التي يعملون فيها، فإنَّ السعيَ إلى معرفةِ الحقيقةِ وسبرِ أغوارِها لم يعد هو ما يحرِّكُ العلمَ ويرتقي به كما كان عليه الحالُ فيما مضى وانقضى! وهذه هي العلةُ من وراءِ انصرافِ العِلمِ عن البحثِ في مجالاتٍ لا طائلَ مادياً من وراءِ بذلِ المجهودِ العقلي وتخصيصِ الرصيدِ المالي لها، وذلك كما يظنُّ أربابُ المال والقائمون على مؤسساتِ البحثِ العِلمي إلا قليلاً منهم! فكم من مجالاتٍ كان يجدرُ بالعِلمِ في هذا الزمان أن يخصصَ لها ما تستحقُه من عقولٍ وأموال، إلا أنه آثرَ هجرَها إذ ليس يرتجى من ورائها شيءٌ ذو بال!
