لماذا ترفضُ فرنسا تسويةَ “ملف الذاكرة” مع الجزائر؟

تقدِّمُ حقبةُ الاستعمارِ الأوروبي لأفريقيا كلَّ ما يحتاجُه الباحثُ المتدبِّرُ ليتبيَّنَ هذا الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من ولعٍ بالتناقضات التي لا يجدُ غضاضةً في أن يتعايشَ معها وهي تصولُ وتجولُ داخلاً من عقلِه الذي أسلمَ قيادَه لنفسِه! فيكفي المرءَ أن يطَّلعَ على ما أظهرَه الاستعمارُ الأوروبي في أفريقيا من إفسادٍ في أرضِها وسفكٍ للدماء حتى يتبيَّنَ له أن ليس هناك من مخلوقٍ سوى الإنسان بمقدورِه أن يقترفَ كلَّ هذه الفظاعاتِ التي لا نزالُ حتى يومِنا هذا نجدُ مَن يسوِّغُ لها ويصرُّ على أنَّها “أضرارٌ جانبية” (Collateral Damage) و”خسائرُ مقبولة” (Acceptable Losses)، وذلك أخذاً بالاعتبار “ما يقتضيه الصالحُ العام” (The Greater Good)!
وإذا كانت الفظاعاتُ التي ارتكبها الاستعمارُ الأوروبي في أفريقيا لا تكفي لتحملَ البعضَ على مراجعةِ موقفِه المنبهرِ بإنجازاتِ الحضارةِ الغربية، فإنَّ إصرارَ حكوماتٍ غربية، مثل الحكومةِ الفرنسية، على رفضِ تسويةِ “ملفِّ الذاكرة” مع الجزائر، وهو ما أصبحَ مرادفاً لمجملِ تلك الفظاعات وتعريفاً بها، فيه ما يكفي حتى نصدِّقَ أنَّ كلَّ ما وردَ بشأنِ هذه الفظاعات قد حصلَ بالفعل! وهذا الرفضُ إن دلَّ فإنما يدلُّ على أن الحكوماتِ الفرنسيةَ المتعاقبة كانت لتفعلَ ما فعلته حكوماتُ الاستعمارِ الفرنسي لو أنها كانت مكانَها!
إنَّ أكبرَ وهمٍ يقعُ فيه العقلُ هو اعتقادُه بأنَّ الإنسانَ كائنٌ متحضرٌ متمدِّنٌ قادرٌ على ألا يكرِّرَ ما وقعَ فيه أسلافُه من أخطاءٍ جسيمة! صحيحٌ أنَّ الإنسانَ بمقدورِه فعلُ ذلك، ولكنه أبداً لن يفعلَ ذلك طالما كان فيه ما يضطرُّه إلى النظرِ إلى نفسِه فيراها على حقيقتِها البشعة!

أضف تعليق