هل هناك فرقٌ في المعنى بين “قَوْلًا كَرِيمًا” و”قَوْلًا مَعْرُوفًا” في القرآنِ العظيم؟

أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن يُعلِّمَ الذين آمنوا الكيفيةَ التي يتوجَّبُ عليهم أن يصيغوا أقوالَهم حتى تجيءَ موافقةً لما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء).
وهذا أمرٌ شدَّدَ عليه اللهُ تعالى على مرِّ العصورِ وكَرِّ الدهور، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما عرَّفنا به قرآنُه العظيم من تفاصيلَ اشتملَ عليها ميثاقُه الذي واثقَ به بَني إسرائيل: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (83 البقرة).
فاللهُ تعالى يريدُ الذين آمنوا إذاً أن “يقولوا التي هي أحسن”، وذلك بأن يقولوا للناسِ حُسناً كائناً مَن كانوا. ولقد شدَّدَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم على أمرِه هذا في مواطنَ منه كثيرة تعددت بتعدُّدِ المواقفِ التي قد يجدُ المرءُ فيها نفسَه. ويتبيَّنُ لنا ذلك جلياً بتعدُّدِ التوصيفاتِ التي وصفَ اللهُ تعالى بها هذا القولَ الذي وصفه قرآنُه العظيم بأنه أحسنُ القول. فأحسنُ القولِ إذاً هو “القولُ السديد”:
1- (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (من 9 النساء).
2- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (70 سورة الأحزاب).
وأحسنُ القولِ إذاً هو “القولُ الميسور”: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) (28 الإسراء).
وأحسنُ القولِ إذاً هو “القولُ الكريم”: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهيُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (23 الإسراء).
وأحسنُ القولِ إذاً هو “القولُ البليغ”: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) (63 النساء).
وأحسنُ القولِ إذاً هو “القولُ الليِّن”: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (43- 44 طه).
وأحسنُ القولِ إذاً هو “القولُ المعروف”:
1- (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) (من 235 البقرة).
2- (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (5 النساء).
3- (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (8 النساء).
4- (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (32 سورة الأحزاب).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ أحسنَ القولِ هو: “القولُ السديد”، و”القولُ الميسور”، و”القولُ الكريم”، و”القولُ البليغ”، و”القولُ الليِّن”، و”القولُ المعروف”؛ وهي كلُّها بذاتِ المعنى.

أضف تعليق