
يأبى الإنسانُ إلا أن يفاجئَ متدبِّرَه بغريبِ أحوالِه بهذا الإصرارِ من جانبِه على التعبيرِ عن رفضِه لقدرِه الذي ابتلاه اللهُ تعالى به، وهو الحكيمُ الخبيرُ الأدرى بما فيه مصلحتُه وبما بمقدورِه أن يُعينَه على إصلاحِ نفسِه التي جُبِلَ عليها والتي ديدنُها التمنُّعُ والإباء والاعتراضُ ورفضُ الانصياع. وهذا داءٌ قديمٌ قِدَمَ هذه النفسِ التي خُلِقَ الإنسانُ بها وتمايزَ بها عن غيرِه من حيوانِ الأرضِ ونباتها. وهذه النفسُ لها في كلِّ زمانٍ تجلياتٌ تفيدُ من مكتسباتِه ومنجزاتِه في إحكامِ سيطرتِها على الإنسانِ وبما يضمنُ لها دوامَ تمكُّنِها من تطويعِه لإرادتِها وسوقِه إلى الوجهةِ التي فيها هلاكُه المحتوم!
ومن ذلك ما أصبحت عليه أنثى إنسانِ هذا الزمان من هوَسٍ بفعلِ كلِّ ما يلزم حتى تكونَ الأجملَ، والأكثرَ قدرةً بالتالي، وفقاً لما تظنُّ وتتوهَّم، على التمايزِ عن غيرِها من النساء! ويُعينُنا على تبيُّنِ مدى استفحالِ هذا الداءِ القديم أن نستذكرَ تجلِّيه المعاصرِ والمتمثلِ في حرصِ كثيرٍ من نساءِ هذا الزمان على “التجمُّلِ بالتزنُّج”، أي بأن تفعلَ كلَّ ما من شأنِه أن يجعلَ قسماتِ وجهِها، وأجزاءً أخرى من جسمِها إن أمكن، تصبحُ كتلك التي خُلِقَت بها المرأةُ الزنجية، ظناً منها وتوهماً أنَّ هذا هو كلُّ ما يقتضيه الأمرُ لتحقِّقَ مبتغاها! ولو أنَّ هؤلاء النسوةَ كنَّ يفقهن شيئاً من سُنةِ اللهِ تعالى في خلقِه، لأدركنَ أنَّ اللهَ تعالى خلقَ “كلاً ميسَّراً لما خُلِقَ له”، وأنَّ ما يقمنَ به من تشبُّهٍ بما خُلِقت به المرأةُ الزنجية، من شفاهٍ غليظةٍ وغيرِ ذلك، هو في حقيقتِه اعتداءٌ سافرٌ على سُنةِ اللهِ هذه، وأنَّه لن ينجمَ عنه إلا ما يجعلُهن أكثرَ عجزاً عن الوصولِ إلى ما يبغين! ولا أجدُ ما يصفُ هذا الحالَ غيرَ الطبيعي غير تلك الحكايةِ الرمزيةِ التي مفادُها أنَّ الغرابَ إذ نظرَ إلى اللقلقِ فأرادَ أن يصبحَ مثله، فشرعَ يقلِّدُ مشيتَه فضيَّع بذلك المشيتَين!
