
أهلكَ اللهُ تعالى مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء، وذلك قبل أن يسكنَها الإنسانُ فيُفسِدَ فيها ويسفكَ الدماء: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة). فالإنسانُ، الذي خلقَه اللهُ تعالى في أحسنِ تقويم يومَ خلقَ أباهُ آدمَ وجعلَه في الأرضِ خليفة، عادَ القهقرى إلى ما كان عليه قبل أبيه آدمَ، إذ أبى أن يتَّبعَ هَديَ الله وأعرضَ واتَّبعَ هواه من بعدِ أن تعيَّنَ عليه أن يلتجئَ إلى الله لينتشلَه مما أصبح عليه جراءَ أكلِ آدمَ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ عنها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (35- 39 البقرة).
فالإنسانُ مخلوقٌ يعشقُ الإفسادَ في الأرضِ وسفكَ الدماء، وذلك بالمقارنةِ مع الحيوان الذي لا يقتلُ إلا وفقاً لما غرزَه اللهُ تعالى فيه من دافعٍ للقتلِ المسبَّبِ بما يكفلُ له البقاءَ على قيدِ الحياة. فالحيوانُ لا يقتلُ استمتاعاً وتلذُّذاً كما يفعلُ الإنسانُ الذي لو أنَّه اتَّبعَ هَديَ الله لمكَّنَه ذلك من إصلاحِ نفسِه حتى لا يعودَ بمقدورِها أن تدفعَ به ليسلكَ وجهةً لم يخلقه اللهُ تعالى لها.
تكفلُ لنا هذه المقدمة أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ هوَسِ الإنسانِ بـ “القتلِ غيرِ المسبَّب بما يكفلُ له البقاءَ على قيدِ الحياة”، ومن ذلك هذا الافتتانُ بتعذيبِ الحيوان والحرصُ الشديدُ على ألا يُنعمَ عليه بخاتمةٍ تُريحُه من عذاباتِه التي ألحقَها به إلا من بعدِ أن يُمعِنَ فيه تمزيقاً وتعذيباً وتقتيلاً! وإلا فهل من وصفٍ خلافَ هذا الذي ذكرتُ بوسعِه أن يُعينَنا على فهمِ ما يجري في حلبةِ مصارعةِ الثيران؟! وبعد هذا كلِّه ألا يحقُّ لنا أن نعجبَ لأولئك الذين يتغنون بـ “عظمَةِ ونُبلِ الإنسان”!
