ومِن قبلُ ما فرَّطنا في الأندلس!

كان طردُ أسلافِنا من الأندلس مطلعَ العام 1492 م خاتمةً منطقيةً لِما سبقَها من وقائعَ وأحداث كان مبتدأها عزوفُهم عن القيامِ بما يقتضيه التمسُّكُ بعروةِ الوثقى من حملٍ للنفسِ على ما تكره وسَوقٍ لها صوبَ ما لا تهوى. ولقد تجلَّى ذلك في هذا الانصرافِ، بالتمامِ والكلية، عن كلِّ أمرٍ أمرَ اللهُ تعالى به عبادَه الذين آمنوا، وما أوجبَه عليهم، مما يُمليه على المرءِ كونُه من الذين آمنوا والذين لا شاغلَ لهم غيرُ أن يكونَ حالُهم مع اللهِ تعالى في تمامِ التوافقِ والتطابقِ مع النموذجِ الذي فصَّلَه وبيَّنه قرآنُ اللهِ العظيم.
فانصرافُ أسلافِنا عن كلِّ ما من شأنِه أن يجعلَهم “خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس” أخذ يتجلى في هذا الذي أصبح عليه تعاملُهم فيما بينهم تحلياً بكلِّ ما يتعارضُ ويتناقضُ مع ما أُمروا به وفقاً لما جاءهم به القرآنُ العظيم: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (من 103 آل عمران)، (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (من 2 المائدة). ولقد كان من المنطقي أن يؤولَ بأسلافِنا حالُهم هذا مع اللهِ تعالى إلى ما انتهى إليه حالُ الذين من قبلِهم من الذين فسقوا عن أمرِ الله وبالغوا في عصيانِه وتكذيبِ كتابِه والانشغالِ بما من شأنه أن يجعلَهم يؤثرون ما نُهوا عنه على ما وُعِدوا به.
وهكذا فلقد فرَّطَ أسلافُنا في الأندلسِ التي لم يعد بمقدورِهم أن يحافظوا عليها من بعدِ ما أصبحوا فاسقين فتيسَّرَ لأعدائِهم الكافرين بذلك أن يهزموهم شرَّ هزيمة وأن يشرِّدوا بهم الآفاق. فهلا اعتبرنا حتى لا يكونَ واحدُنا كمن قال فيه الشاعر: “لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً ولكن لا حياةَ لمن تنادي”.

أضف تعليق