
من الأخطاءِ التي لا يملكُ الإنسانُ ما يحولُ دون وقوعِه فيها، إلا بشقِّ الأنفس، إصرارُه على الزعمِ بأنَّ كلَّ ما في عقولِنا من تصورات لابد وأن يكونَ من نتاجِ هذه العقول وإن استعصى علينا أمرُ تبيَّنِ الكيفيةِ التي تأتَّى له بها ابتكارُ ذلك. وهذه “عقلانيةٌ مفرطة” ليس بالعسيرِ إثباتُ عجزِها عن التعاملِ المعرفيِّ الصائبِ مع كثيرٍ مما يشتملُ عليه الوجودُ من غامضِ الوقائعِ ومبهمِ الأحداث. فعالمُنا لا يني يفاجئنا بظواهرَ لا قدرةَ لـ “قوانينِ الطبيعةِ” التي تمكنَّا من اكتشافِها على أن تعلِّلَ لها كما تعلِّلُ لظواهرَ كثيرةٍ غيرِها. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على فسادِ الزعمِ القائلِ بأنَّ كلَّ ما تيسَّرَ لعقولِنا أن تُبدِعَه وتبتكرَه من أفكار لابد وأن يكونَ مِن صُنعِها ونتاجِها!
وهنا لابد من أن أشيرَ إلى واحدةٍ من هذه الأفكارِ التي لن ينجمَ عن إصرارِ البعضِ على أنَّها نِتاجُ عقولِنا إلا إخفاقٌ ذريع في تبيَّنِ أصلِها ومصدرِها. وهذه الفكرةُ هي فكرةُ “الإلهِ الواحدِ الذي لا إلهَ سواه”. ففكرةُ الإلهِ الواحد، وذلك وفقاً لما يقولُ به علمُ الاجتماعِ الديني، هي من ابتكارِ العقلِ البشري الذي سبقَ له وأن توهَّمَ أنَّ كلَّ شيءٍ يحيطُ به لابد وأن يكونَ إلهاً، وأنَّ هذا العالَمَ بالتالي مليءٌ بآلهةٍ يتعذَّرُ عليه إحصاؤها، وأنَّ هذا العقلَ، وفي رحلتِه من التعقيدِ إلى التبسيط، لابد وأن ينتهيَ به الأمرُ يوماً إلى الكفِّ عن مقاربتِه هذه للوجود، وذلك بأن يشرعَ بالإقلالِ من عددِ هذه الآلهةِ حتى ينتهيَ به الأمرُ بأن يتخذَ له إلهاً واحداً! وهذه مزاعمٌ لا تتفقُ مع ما درجَ عليه الإنسانُ من نزوعٍ إلى الإكثارِ والتعديد عوضَ الإقلالِ والتوحيد. فالملاحَظُ على المجتمعاتِ البشريةِ، منذ أولِ مجتمعٍ وردَ ذِكرُه في التاريخِ المكتوب، أنَّ فكرةَ “الإلهِ الواحد” لم ترق لها يوماً، وأنَّها قد ناصبت العداءَ كلَّ مَن أرادَ أن يتخذَ إلهاً واحداً.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ فكرةَ “الإلهِ الواحد” هي فكرةٌ دخيلةٌ على العقلِ البشري الذي لو أنه كان هو مَن قام بابتكارِها، لوجدت منه قبولاً ولَما سارعَ إلى إنكارِها على الدوام وإلى أن يعملَ كلَّ ما في وسعِه لأن يعودَ عنها إلى ما كان عليه من تحبيذٍ لتعديدِ الآلهة.
