
يكفلُ لنا تدبُّرُ المواطنِ القرآنيةِ الكريمة التي وردت فيها كلمةُ “نور” وكلمةُ “ضياء” أن نخلصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ لكلمةِ “نور” في القرآنِ العظيم حضوراً تتمايزُ به عن ذاك الذي لكلمةِ “ضياء”. صحيحٌ أنَّ كلمةَ “ضياء” في القرآنِ العظيم قد وردت في سياقٍ يذكِّرُ بذاك الذي وردت فيه كلمةُ “نور”: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُون) (71 القصص)، حيث أنَّ الضياءَ الذي تشيرُ إليه هذه الآيةُ الكريمة ما كان له أن يكونَ لولا الشمسُ التي جعلها اللهُ تعالى سبباً له: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) (من 5 يونس)، غيرَ أنَّ القمرَ ما كان له من نور لولا الضياءُ الذي جعلَه اللهُ تعالى للشمس. وهذه العلاقةُ القائمةُ بين النورِ والضياء محدودةٌ بحدودٍ حدَّدها اللهُ تعالى بما حبا به كلمةَ “النور” من شموليةٍ جعلتها تحتوي الضياءَ ما تعلَّق الأمرُ بعالمِ “كن فيكون”؛ هذا العالَمُ الذي جعلَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم دليلَنا وهادينا إلى تبيَّنِ بعضاً من تجلياتِه التي قدَّرَ لنا أن نكونَ شهوداً عليها. فإذا كان اللهُ تعالى قد جعلَ في التوراةِ التي أنزلَها على سيدِنا موسى نوراً: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور) (من 44 المائدة)، فإنه قد جعلَ لهذا النورِ حضوراً يُشهِدُه مَن يشاءُ من عبادِه ضياءً لا يخفى على بصيرتِه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) (48 الأنبياء).
ومحدوديةُ حظِّ كلمةِ “ضياء” من تجلياتِ “كن فيكون” يبيِّنُها لنا واضحةً جلية تدبُّرُ بعضٍ من المواطنِ التي وردت فيها كلمةُ “نور”.
1- (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) (35 النور).
2- (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (من 40 النور).
3- (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (من 257 البقرة).
