
خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ في أحسنِ تقويم. وهذه حقيقةٌ من حقائقِ القرآنِ العظيم ما كان لنا أن نحيطَ بها لولا ما فصَّلته لنا آياتُه الكريمة التي تطرَُقت إلى بدايةِ رحلةِ تخلُّقِ الإنسان وما آلت إليه من استخلافٍ لآدمَ في الأرض وإسكانٍ له ولزوجِه في الجنة، وما ترتَّب على ذلك مما اقتضى وجوبَ أن يهبطا إلى الأرضِ التي من طينِها خُلقا.
ومن حقائقِ القرآنِ العظيم ذاتِ الصلة بهذا الأمر، ما تعيَّنَ على الإنسانِ أن يفعلَه إذا ما أرادَ أن يرتقيَ بِحالِه مع اللهِ تعالى من بعدِ أن رُدَّ “أسفلَ سافلين” ليعودَ بعدها إلى ما كان عليه من خِلقةِ “أحسنِ تقويم”. فالإنسانُ في “أسفلِ سافلين” إن هو لم يكن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (1- 6 التين).
ورحلةُ الإنسانِ هذه من “أسفلِ سافلين” عودةً إلى “أحسنِ تقويم” هي طوعيةٌ وليست قسرية؛ فالإنسانُ هو مَن سيقرِّرُ هذه المرة إن كان سيبقى رهينَ “أسفلِ سافلين” أم يرتقي إلى “أحسنِ تقويم”. وهي رحلةٌ تذكِّرنا بـ “الإنسانِ الكامل”، الذي يتحدثُ عنه المتصوفة، والذي تعيَّنَ عليه أن يفارقَ ما كان عليه من شقاءٍ ومعاناة جراءَ ما فرضَه عليه بقاؤه في “أسفلِ سافلين” حتى وصولِه إلى ما كان عليه يومَ خلقَ اللهُ تعالى آدمَ في “أحسنِ تقويم”. وهي رحلةٌ لا زادَ للإنسانِ فيها إلا تقوى الله حقَّ تُقاتِه إيماناً به وعملاً صالحاً.
