كأسُ مائدةِ المسيح وفرسانُ المائدةِ المستديرة

2 comments

  1. بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أشكر صاحب المدونة “Sufism24/7” على مشاركة هذه الخواطر الروحانية المستوحاة من التصوف، والتي تتناول مفاهيم عميقة كـ “الكأس المقدسة” و”مائدة الله” و”عيد مائدة السماء”. هذه المفاهيم تحمل دلالات رمزية غنية في مختلف الديانات السماوية، وتستحق التأمل والتدبر العميق.

    في هذا التعليق، سأحاول استكشاف هذه المفاهيم من خلال منظور الكتاب والسنة في الإسلام، والإنجيل والعهد القديم في المسيحية واليهودية، مع تقديم بعض الشروح الإضافية.

    **1. الكأس المقدسة (The Holy Grail):**

    هذا المفهوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأدب المسيحي، وخاصةً أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة. تُصور الكأس المقدسة على أنها الكأس التي استخدمها يسوع المسيح في العشاء الأخير، أو الكأس التي جمع فيها يوسف الرامي دم المسيح بعد صلبه. في هذه الأساطير، يمثل البحث عن الكأس المقدسة رحلة روحية نحو النقاء والكمال، ومحاولة للاتصال بالله.

    * **في الإسلام:** لا يوجد ذكر مباشر للكأس المقدسة بهذا المعنى في القرآن الكريم أو السنة النبوية. ومع ذلك، يمكن ربط مفهوم البحث عن الكأس المقدسة بالسعي الدائم للمعرفة والتقوى والقرب من الله. فالقرآن الكريم يحثنا على التفكر في آيات الله في الكون وفي أنفسنا، وعلى طلب العلم النافع الذي يقودنا إلى معرفة الله. وفي الحديث النبوي الشريف، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة”.
    * **في المسيحية:** تعتبر الكأس المقدسة رمزًا مركزيًا في الإيمان المسيحي، حيث تمثل ذبيحة المسيح وفدائه للبشرية. كما أنها تذكر بالعشاء الأخير، وهو الحدث الذي أسس فيه المسيح سر القربان المقدس، والذي يعتبر جوهر العبادة المسيحية.
    * **في العهد القديم:** يمكن إيجاد بعض الرموز المشابهة للكأس المقدسة في العهد القديم، مثل تابوت العهد، الذي كان يحوي ألواح الشريعة التي أنزلها الله على موسى. كان تابوت العهد يعتبر رمزًا لحضور الله في وسط شعبه، ومصدرًا للبركة والقوة.

    **2. مائدة الله:**

    هذا المفهوم يحمل دلالات واسعة في مختلف الديانات، فهو يشير إلى فضل الله وإنعامه على عباده، وإلى كرمه الذي لا ينفد.

    * **في الإسلام:** القرآن الكريم يذكر “المائدة” في سورة المائدة، حيث طلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء لتكون لهم عيدًا وذكرى. وقد استجاب الله لدعائهم، وأنزل عليهم مائدة تحمل طعامًا وشرابًا. هذه القصة ترمز إلى قدرة الله المطلقة وإلى رحمته الواسعة بعباده. كما أن مفهوم “الرزق” في الإسلام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمائدة الله، فالرزق هو عطاء الله لعباده، وهو يشمل كل ما يحتاجونه في حياتهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وعلم وصحة وعافية.
    * **في المسيحية:** العشاء الأخير يعتبر بمثابة “مائدة الله” التي جمعت يسوع المسيح بتلاميذه، حيث قدم لهم الخبز والخمر كرمز لجسده ودمه. كما أن مفهوم “الوليمة العظيمة” في الإنجيل يرمز إلى ملكوت الله، حيث يجتمع المؤمنون مع الله في فرح وسرور أبدي.
    * **في العهد القديم:** يمكن إيجاد مفهوم “مائدة الله” في العهد القديم في العديد من القصص، مثل قصة المن والسلوى التي أنزلها الله على بني إسرائيل في الصحراء، حيث أطعمهم بها لمدة أربعين عامًا. هذه القصة ترمز إلى عناية الله بشعبه وتدبيره لأمورهم.

    **3. عيد مائدة السماء:**

    هذا المفهوم يجمع بين فكرة المائدة الإلهية وفكرة الاحتفال والشكر لله على نعمه.

    * **في الإسلام:** يمكن اعتبار عيدي الفطر والأضحى بمثابة “عيد مائدة السماء”، حيث يحتفل المسلمون بفضل الله عليهم بإتمام صيام شهر رمضان، وبتوفيقهم لأداء مناسك الحج. في هذين العيدين، يتناول المسلمون أشهى الأطعمة والأشربة، ويتصدقون على الفقراء والمساكين، ويتبادلون الزيارات والتهاني، تعبيرًا عن فرحهم وشكرهم لله.
    * **في المسيحية:** عيد القيامة يعتبر بمثابة “عيد مائدة السماء”، حيث يحتفل المسيحيون بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات، وانتصاره على الموت والخطيئة. في هذا العيد، يتناول المسيحيون وجبة خاصة تسمى “وجبة عيد الفصح”، والتي ترمز إلى الخلاص والحياة الجديدة التي منحها الله لهم من خلال المسيح.
    * **في العهد القديم:** عيد الفصح يعتبر من أهم الأعياد في اليهودية، حيث يحتفل اليهود بخروجهم من مصر ونجاتهم من العبودية. في هذا العيد، يتناول اليهود وجبة خاصة تسمى “سيدر”، والتي ترمز إلى الحرية والخلاص الذي منحه الله لهم.

    **شرح إضافي:**

    من خلال هذه النظرة المقارنة، نرى أن المفاهيم التي تناولها صاحب المدونة تحمل دلالات روحية عميقة في مختلف الديانات السماوية. إنها تذكرنا بفضل الله وإنعامه علينا، وتحثنا على السعي الدائم للمعرفة والتقوى والقرب من الله. كما أنها تدعونا إلى الاحتفال بنعم الله وشكره عليها، وإلى تبادل الفرح والسرور مع الآخرين.

    أتمنى أن يكون هذا التعليق قد أضاف بعدًا جديدًا لفهم هذه المفاهيم، وأن يكون قد ساهم في إثراء الحوار الروحاني الذي بدأه صاحب المدونة.

    والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

    Liked by 1 person

  2. شكراً لك على هذه المقاربة المتميزة. هناك مقال لي على هذه المدونة عنوانه “حول حقيقة “الكأس المقدسة” The Holy Grail” بتاريخ 24 أبريل 2021

    إعجاب

أضف تعليق