كاميلوت… المدينةُ الكاملة

قليلٌ منا مَن لم يسمع بـ “كاميلوت” مدينةِ الملك آرثر “الأسطورية”؛ هذه المدينةُ التي تذكِّرُنا بـ “المدينةِ الفاضلة” التي طالما تغنَّى بها الفلاسفةُ الأقدمون. فكيف تأتَّى لمدينةِ الملِك آرثر “الأسطوريةِ” هذه أن تحظى بهذه التسمية؟
لابد لنا قبل أن نجيبَ على هذا السؤال الإجابةَ الصائبةَ أن نستعرضَ بعضاً مما قاله بهذا الشأن علماءُ التأثيلِ اللغوي وغيرُهم من الباحثين الذين تخصصوا في استقصاءِ وتتبُّعِ أساطيرِ الشعوب إلى أصولِ نشأتِها والمسارِ الذي سلكته حتى انتهت إلى صيغتِها التي صارت تُعرَفُ بها:
1- في اللغةِ الفرنسيةِ القديمة، ظهر هذا الإسم لأولِ مرة في نصوصٍ فرنسيةٍ من العصور الوسطى، وخاصة في كتابات كريتيان دي تروا في القرن الثاني عشر. كان هذا الكاتب هو أول من ذكر “كاميلوت” كموقعٍ أسطوري مرتبطٍ بالملك آرثر، لكنه لم يحدد موقعًا حقيقيًا لها.
2- اللاتينية والكلتية: هناك نظرياتٌ تربطُ الاسمَ بكلماتٍ من اللاتينيةِ أو اللغاتِ الكلتية، من المحتمل أن يكون مرتبطًا باسم مكان قديم مثل: “Camulodunum”، وهو الاسم الروماني لمدينةِ كولشيستر في إنجلترا، حيث كان “كامولوس” إلهُ الحرب في الميثولوجيا الكلتية. أو “Camlann”، وهي المعركةُ الأسطورية التي قيل إن الملك آرثر قُتل فيها.
3- التأثير الأدبي: بعضُ الباحثين يرون أن الاسمَ ربما تم اختراعُه أو تعديلُه لأغراضٍ أدبية من قِبلِ الشعراء والكتاب في العصور الوسطى، خاصة وأن قصصَ آرثر مرت بتطوراتٍ عديدة عبر مختلفِ الثقافات الأوروبية.
إذاً، إسم “كاميلوت” قد يكون تحريفًا لغويًا لمكان حقيقي، أو مجرد اختراع أدبي مستوحى من أسماءٍ كلتيةٍ ورومانية قديمة.
يتبيَّن لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم من استعراضٍ تاريخي وجيز للأصلِ الذي يُعتقد أنَّ كلمةَ “كاميلوت” قد تم اشتقاقُها منه، أنَّ هنالك تبايناً بيِّناً في آراءِ الباحثين بهذا الخصوص. ولو أنَّ هؤلاء الباحثين كانوا أكثرَ اطِّلاعاً على السياقاتِ التاريخيةِ المتشابكة، التي ظهرت كلمةُ “كاميلوت” خلالها، لتبيَّنَ لهم أنَّهم قد غفلوا عن استذكارِ جملةٍ من الحقائقِ التاريخية التي لا يمكنُ التغاضي عن تدبُّرِها حتى يتجلَّى لنا المسارُ التاريخي الذي اتخذته رحلةُ تطورِ هذه الكلمة. فالعاملُ الحاسمُ الذي لم يؤخذ بنظرِ الاعتبار هو “الحروبُ الصليبيةُ” التي كان من بين نتائجِها، التي درجَ الباحثون على إغفالِها، هذا التواصلُ الفكري-الثقافي الذي مهَّدت له هذه الحروب. ولقد تجلَّى هذا التواصلُ في تأثُّرِ كثيرٍ من المفكِّرين والمثقفين والزهَّادِ والنسَّاكِ الأوروبيين بما كان عليه نسَّاكُ العربِ وزهَّادُهم من عزوفٍ عن مباهجِ الدنيا وإقبالٍ مخلصٍ على اللهِ تعالى جعلَ الناظرَ إليهم لا يملكُ غيرَ أن ينبهرَ بما كان يراه عليهم من صدقِ التوبةِ وخالصِ الإنابة. ومن ذلك، انبهارُ النسَّاكِ والزهادِ الأوروبيين الذين سرعان ما فارقوا الجيوشَ الصليبيةَ، التي خُدِعوا ببهرجِ شعاراتِها وزائفِ ادِّعاءاتِها، ليجدوا أنفسَهم من بعدِ وصولِهم إلى “الأراضي المقدسة” أنَّ الأمرَ لم يكن كما كان يزعمُ هؤلاء.
ولقد حملَ هؤلاء النساكُ والزهادُ الأوروبيون إلى أوروبا ما وجدوه عند نساكِ العربِ وزهادِهم من نظامِ حياةٍ ومسلكِ تعبُّدٍ خالصٍ لوجهِ اللهِ تعالى. ولقد كانت “كاميلوت” هي من بين ما حمله هؤلاء الزهادُ الصادقون إلى أوروبا وبريطانيا. ولم يجد هؤلاء النساكُ الصادقون من ملجأٍ يَقيهم شرَّ بَني جِلدتِهم، المتربصين بكلِّ ما كان يصدرُ عنهم من قولٍ أو فِعل، غير أن يبتكروا سياقاً أسطورياً لـ “كاميلوت” أصبحت بمقتضاه تُعرَف به منذ ذلك الحين. فالنساكُ الذين عادوا إلى ديارهم في بريطانيا لم يكن بمقدورِهم أن يتحدَّثوا عن “الإنسانِ الكامل” عند صوفية المسلمين الذين تحدثوا عن “المدينةِ الكاملة”، وقاموا بسوقِه في سياقٍ يذكِّرُ بجمهورية أفلاطون الفاضلة، وذلك لكي يُمعنوا في إضفاءِ ما من شأنِه أن يُعمِّيَ على قومِهم حقيقتَها. فهؤلاء النُساكُ والزُّهاد حرصوا الحرصَ كلَّه على ألا تستبينَ العلاقةُ بين “الإنسانِ الكامل” و”كاميلوت” المدينةِ الكاملة، حيث أن رسمَ كلمةِ “كاملة” المنتهي بالتاء المربوطة يتطابق مع رسمِ ذاتِ الكلمة المنتهي بالتاء الطويلة “كاملت”. وهذا التباينُ في الرسم كان شائعا في المخطوطاتِ القديمة ومنها كلمة “امرأت” كما في النص القرآني المحفوظ إلى يومِنا هذا “امرأت فرعون”، وذلك في قولِ اللهِ تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (11 التحريم).

أضف تعليق