قراءةُ الحاضر بإيديولوجية الماضي… سياسةُ الغرب تجاه روسيا مثالاً

جُبِلَت نفسُ الإنسانِ على سُنَنٍ لا تُخالِفُ عنها وإن تباينت الأزمانُ ماضياً وحاضراً وتفارقت الأماكنُ مشرقاً ومغرباً. ومن هذه السُّنَن، التي جاءنا دينُ اللهِ الحق بما يكفلُ لنا المخالفةَ عن أمرِها، قراءةُ الحاضرِ بالماضي وقراءةُ الماضي بالحاضر، وذلك من دون أن يأخذَ الإنسانُ بِعينِ الاعتبارِ الحقيقةَ التي مفادُها أنَّ الأزمانَ تتمايزُ فيما بينها كما تتمايزُ المشارقُ عن المغارب. ولقد نجمَ عن هذا الخضوعِ لما تريدُه النفس أن أصبحنا نأخذُ المُصلِحَ بجريرةِ سابقيه من المفسدين! ومن ذلك، هذا الإصرارُ من جانبِ الغرب على النظرِ إلى الرئيسِ الروسي بوتين بعينٍ تأبى إلا أن تراه كما لو أنَّه رئيسٌ من الحقبةِ السوفيتية لا يختلفُ في شيءٍ عن سابقيه من القادةِ السوفيت الذين ناصبهم الغربُ العداء طوال تلك الحقبة. ولقد ترتَّب على هذه النظرةِ، المبالِغةِ في تطرُّفِها وإصرارِها على أن لا جديدَ أبداً تحت شمس موسكو الباردة، أن أبقى الغربُ على سياستِه تجاه روسيا، التي تبنَّاها خلال الحربِ الباردة، والتي مفادها التشكيكُ في كلِّ ما يصدرُ عن موسكو من توجُّهاتٍ وإن جاءت مخالفةً بالتمامِ والكلية لما كانت عليه التوجُّهاتُ السوفيتيةُ حينها. وهذا موقفٌ قد أضرَّ بالغربِ كثيراً إذ حتَّمَ عليه وجوبَ الاصطفافِ إلى جانبِ أوكرانيا في حربٍ لا ناقةَ له فيها ولا جمل! ولقد فاتَ الغربَ أن يُدركَ ما لهذا الاصطفافِ من قدرةٍ على أن يُذهبَ بما تأتى لدولِه أن تحققَه من رخاءٍ اقتصادي ووفرةٍ غيرِ مسبوقة.
ويبدو أنَّ قادة الغرب لا يزالون عاجزين عن إدراكِ ما ستضطرُّهم إليه هذه النظرةُ غيرُ الواقعية إلى روسيا، والتي جعلتهم غيرَ راغبين في أن يصدِّقوا أنها قد نزعت عنها ثيابَها السوفيتية! وها هي الأيامُ قد دارت دورتَها وأصبح للبيتِ الأبيضِ سيدٌ جديدٌ قد عقدَ العزمَ على أن يدَعَ الغربَ يدفعُ أثمانَ أخطائه الاستراتيجية، وعلى أن ينظرَ إلى روسيا نظرةً جديدةً تغلبُ عليها المصالحُ الاقتصادية عوضَ الدورانِ في فلكِ تلك الإيديولوجيا التي ستجعلُ حضارةَ الغربِ تذهبُ أدراجَ الرياح.

أضف تعليق