في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ”

الكلمةُ القرآنيةُ “أُمْنِيَّتِهِ” مشتقةٌ من كلمةِ “أمنية”، وجمعها “أماني”. ولقد وردت كلمةُ “أماني” في القرآنِ العظيم في المواطنِ الكريمةِ التالية:
1- (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (123- 124 النساء).
2- (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون) (78 البقرة).
3- (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (111 البقرة).
4- (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (14 الحديد).
وكلمةُ “أمنية” فِعلُها “تمنَّى”. ولقد وردت هذه الكلمةُ في القرآنِ العظيم مرةً في الآيةِ الكريمة 24 من سورةِ النجم: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى. فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى)، ومرةً أخرى في الآيةِ الكريمة 52 من سورةِ الحج: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ).
والكلمةُ القرآنيةُ “تمنى” تجيءُ في القرآنِ العظيم بمعنى “تحدَّث”، “قالَ”، “قرأ”.
ولقد وردت في القرآنِ العظيم كلماتٌ مشتقةٌ من كلمةِ “تمنى”، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (من 32 النساء).
2- (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ…) (من 143 آل عمران).
3- (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ…) (من 82 القصص).
4- (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (6- 7 الجمعة).
وهذه الكلماتُ القرآنيةُ الكريمة تعني ما تواضعنا على الأخذِ به من معنى لكلمةِ “تمنى”، أي “رجا” أو “رغب” أو “تاق للحصولِ على الشيء”.
هذه مقدمةٌ لابد منها حتى نتمكَّنَ من فهمِ قولِ اللهِ تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) (من 52 الحج). فهذه الآيةُ الكريمة تشيرُ إلى واحدةٍ من سُنَنِ اللهِ تعالى التي تجلَّت في سيرةِ مَن سبقَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من رسُلٍ وأنبياء. فاللهُ تعالى ما كان ليدَعَ قومَ أيِّ رسولٍ أو نبيٍّ بمنأى عن أن تطالَهم فتنتُه التي لن ينجوَ منها إلا مَن كان منهم صادقاً في طلبِه لله مخلصاً في تعبُّدِه له. وأما الآخرون ممن يتسقَّطون الزلاتِ والهفوات افتراضاً وتخيلاً وتوهماً فلن يخرجوا إلا مدحورين خائبين، وذلك من بعد أن يُحكِمَ اللهُ تعالى آياتِه بتبيانِه لما صدرَ عنه حقاً وإحقاقِه له وتمييزِه من الباطلِ الذي ألقاه الشيطانُ في قولِ هذا الرسولِ أو ذاك النبي. ففتنةُ اللهِ تعالى اقتضت أن يدَعَ الشيطانَ يُلقي فيما يقرأه الرسولُ أو النبي مما أنزلَه عليه ما من شأنِه أن يَميزَ خبيثَ القومِ من طيِّبِهم. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيتَين الكريمتَين 53- 54 الحج اللتان أعقبتا هذه الآيةَ الكريمة: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
فـ “الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ” في الآيةِ الكريمة 54 من سورة الحج أعلاه هم علماءُ بَني إسرائيل الذين قالَ اللهُ تعالى فيهم في الآيةِ الكريمة 197 من سورةِ الشعراء: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ). فـ “الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ” من بني إسرائيل من معاصري رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم سيجدون في إحكامِ اللهِ تعالى لآياتِه، وذلك بإقصاءِ ما ألقاه الشيطان والإبقاءِ على ما هو مُنزَّلٌ من الله، ما يجعلُهم يؤمنون به فتخبتُ له قلوبُهم وتطمئنُّ بأنه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله.
وبذلك يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّر قولِ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 52 الحج أعلاه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، أنَّ الكلمةَ القرآنيةَ الكريمة “تمنى” تعني “قرأ بعضَ ما أُنزِلَ عليه من قَولِ الله”، وأنَّ الكلمةَ القرآنيةَ “أمنيته” تعني “قراءتَه” هذه. وبذلك يكون المعنى الكامل لقولِ اللهِ تعالى هذا هو أنَّ اللهَ تعالى ما أرسلَ قبل سيدِنا محمد صلى اللهُ تعالى عليه وسلم من رسولٍ ولا نبي إلا وجعلَ مَن يستمعُ إليه وهو يقرأُ ما أنزلَه اللهُ عليه يجد فيه بعضاً مما يُلقيه الشيطان، وهذا أمرٌ لن يدومَ أما وأنَّ اللهَ تعالى سيعمدُ إلى نسخِ (أي محو) ما يُلقيه الشيطانُ، ويُحكمُ اللهُ بذلك آياتِه بتمييزِها مما ألقاه الشيطان. ولقد فصَّلت الآيتان الكريمتان (53- 54 الحج) هذا الأمرَ وبيَّنت العلةَ من ورائه.

أضف تعليق