من الدروسِ المستفادةِ من تدبُّرِ سورةِ يوسف: لا يأسَ ولا قنوطَ من رَوحِ اللهِ ورحمتِه

يكفلُ لنا تدبُّرُ سورةِ يوسف أن نتبيَّنَ من أمرِ إخوةِ سيدِنا يوسف الشيءَ العُجاب، ابتداءً من كيدِهم لأخيهم الصغير وتآمرِهم عليه وسعيِهم للتخلُّصِ منه، وإن اقتضى الأمرُ قتلَه أو إلقاءه في البئر بما يعنيه ذلك من تعريضِه لما ليس بالإمكانِ إحصاؤه من الأخطارِ والمهالك، إلى ما اشتملَ عليه إبعادُه عن أبيه من عظيمِ إيلامٍ لإبيهم، وإلى سوءِ معاملتهم لأخيهم من أبيهم، وانتهاءً بما افتروه على سيدِنا يوسف من زعمٍ بأنه سارق.
وعلى الرغمِ من كلِّ هذه الذنوبِ الثقال، فإنَّ إخوةَ سيدِنا يوسف لم ييأسوا من رحمةِ الله ولم يقنطوا من رَوحِه. إذ ما أن تبيَّن الإخوةُ أنَّ اللهَ تعالى قد آثرَ أخاهم يوسفَ عليهم، وأنهم كانوا خاطئين، حتى بان عليهم من صدقِ الرغبةِ في التوبة ما جعلَ سيدَنا يوسف يقول لهم: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (92 يوسف). ويعزِّزُ هذه النيةَ الصادقةَ في التوبة توجُّهُ الإخوةِ إلى إبيهم سيدِنا يعقوب وسؤالُهم له أن يستغفرَ لهم اللهَ تعالى ليغفرَ لهم ذنوبَهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (97- 98 يوسف).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى قد غفرَ لإخوةِ سيدِنا يوسف كلَّ ما صدرَ عنهم من قولٍ وفعلٍ في حقِّ سيدِنا يوسف وحقِّ أخيه، ومن قبلِ ذلك في حقِّ أبيهم. وقد يعترضُ البعضُ بأنَّ هذا أمرٌ لا يمكنُ البناءُ عليه، أو القياسُ استناداً إليه، أما وأنَّ إخوةَ سيدِنا يوسف كان مقدَّراً لهم منذ البداية أن يصبحوا أنبياء. ويفنِّدُ هذا الزعمَ ما جاءتنا به سورةُ يوسف من نبأِ امرأةِ العزيز التي فعلت ما فعلت، وقامت بما قامت، من أمورٍ فصَّلتها لنا سورةُ يوسف، ولكنها، وعلى الرغمِ من كلِّ ذلك، استدركت وتبيَّنت الحقَّ إذ حصحصَ وآثرت أن تتوبَ إلى الله وتستغفرَه لذنبِها: (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ. وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (من 51- 53 يوسف).
ويكفلُ لنا تدبُّرُ ما جاء في هذه الآياتِ الكريمة من نبأِ امرأةِ العزيز أن نستدلَّ على صدقِ توبتِها ومخلصِ إنابتِها إلى اللهِ تعالى. فحقائقٌ كتلك التي نطقَ بها لسانُها ما كانت لتصدرَ إلا عن قلبٍ هداه اللهُ تعالى إليه لمَّا علمَ بما فيه من شديدِ تَوقٍ إلى المغفرةِ والرضوان.

أضف تعليق