الفيلُ والحقيقة!

وردَ في مأثوراتِ أهلِ الهند أنَّ ملكاً من ملوكِها عرضَ فيلَه على عميانٍ لم يسبق لهم وأن علموا بأنَّ هنالك حيواناً هو الفيل، وطلب من كلِّ واحدٍ منهم أن يصفَه. فسارعَ كلٌّ إلى لمسِ جزءٍ من الفيل عرَّفَ الفيلَ بدلالتِه. وهكذا انتهى الجمعُ إلى تعريفاتٍ للفيل يعارضُ بعضُها بعضاً. فكان الفيلُ عند أحدهم أذنَه، وعند الآخر خرطومَه، وعند غيرِه ذيلَه، وهكذا..
ومغزى هذه الحكاية أنَّ البشرَ لن يتفقوا على تعريفٍ واحدٍ للحقيقة. فالحقيقةُ عند أحدهم قد لا تكونُ هي الحقيقةَ عند غيرِه.
وفي اعتقادي، فإنَّ الحكايةَ تقصدُ إلى أمرٍ آخر لا علاقةَ له بالزعمِ بأنَّ الحقيقةَ نسبيةٌ وليست مطلقة. فالحقيقةُ واحدةٌ غيرُ متعددة ولا يمكنُ أن تكونَ إلا مطلقةً، وإلا فإنها ليست الحقيقة. ونحن إذا ما تدبرنا عقائدَ أهلِ الهند الأقدمين، فإننا لن نجدَ عندهم ما يتفقُ مع هذا الزعم بأنَّ الحقيقةَ نسبيةٌ وليست مطلقة. ولذلك، وأخذاً بنظرِ الاعتبار ما أجمعت عليه عقائدُ أهلِ الهند الأقدمين من تشديدٍ على أنَّ الوصولَ إلى الحقيقة يقتضي من الباحثين عنها أن يعينَ بعضُهم بعضاً وأن يعتمدوا الشورى بينهم مسلكاً ومنهجاً، فإنَّ مغزى هذه الحكاية لابد وأن يشدِّدَ هو الآخر على هذا الأمر. فلو أنَّ هؤلاء الأشخاص تشاركوا فيما بينهم ما تأتى لكل واحدٍ منهم الحصولُ عليه من العلمِ بفيلِ الملك، لانتهى بهم الأمرُ إلى توصيفٍ للفيل هو الأقربُ إلى حقيقتِه كما يراها المبصرون.

أضف تعليق