مَن هُم أحفادُ مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء قبلَ آدمَ عليه السلام؟

من الحقائقِ التي ما كان لنا أن نحيطَ بها لولا ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم، أنَّ العقلَ البشري عاجزٌ وحدَه عن تبيُّنِ حقيقةِ ما حدث فجعلَ الإنسانَ على هذا القدرِ من الإلغازِ والتعقيد، وإلى الحدِّ الذي تُخفِقُ معه كلُّ محاولةٍ تسعى لاستجلائها وإن استعانَ على ذلك بكلِّ ما أوتيه من علومٍ ومعارف. فمبلغُ العِلمِ في الإنسان، وذلك بالاستعانةِ بما جاءتنا به نظرياتُه وتصوراتُه وقوانينُه، أنَّه لا يختلفُ عن الحيوان ما تعلَّقَ الأمرُ بماضيه التطوري الذي يجمعُه معه, والذي يجعلُه يشاركُه الأصلَ ذاتَه، ألا وهو الطبيعة. وهذا الذي انتهى إليه العِلمُ بشأنِ أصلِ الإنسان ليس بمقدورِه أن يعلِّلَ لكثيرٍ من الاختلافاتِ الجوهرية التي جعلته يتمايزُ بها عن الحيوان!
ومن هذه الاختلافات عدوانيةُ الإنسان المفرِطة، والتي جعلته أكثرَ الكائناتِ على هذه الأرض قدرةً على الإفسادِ وسفكِ الدماء، وهي قدرةٌ يقفُ العِلمُ عاجزاً عن أن يعلِّلَ لأصلِها، أما وأنَّ الطبيعةَ ليس فيها أمثلةٌ على ما يقومُ به الإنسانُ من إفسادٍ في الأرضِ وسفكٍ للدماء؛ فالعدوانُ في الطبيعة محكومٌ بضوابطَ تحولُ دون أن يجنحَ الحيوانُ إلى الإسرافِ والطغيان، وذلك مقارنةً بالإنسانِ الذي يقدِّمُ لنا حاضرُه وماضيه ما يعينُنا على تبيُّنِ مقدرتِه الفذة على الإسرافِ في سفكِ الدماء والطغيانِ في العدوان.
وإذا كان اللهُ تعالى قد حصَّنَ أبانا آدمَ من أن يطالَه ما يجعلُ منه يجنحُ إلى الإفسادِ في الأرضِ وسفكِ الدماء، وذلك بخلقِه له “إنساناً في أحسنِ تقويم”، وإذا كان اللهُ تعالى قد أمرَ الملائكةَ بإفناءِ مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء، فإن هذا لا يلزمُ عنه وجوبُ ألا يكونَ بمقدورِ البعضِ من بَني آدم أن يفسدوأ في الأرضِ ويسفكوا الدماء كما كان يفعلُ أسلافُهم الأقدمون! فالبعضُ من بَني آدم قد لعنهم اللهُ بما كسبت أيديهم وقست قلوبُهم بكفرِهم وفسوقِهم وتعدِّيهم لحدودِ الله وإصرارِهم على مناصبةِ اللهِ العداء والمجاهرةِ بكلِّ قولٍ وفِعلٍ لا يجلبان على صاحبِهما إلا كبيرَ مقتِ الله. ولقد حتَّمت لعنةُ اللهِ تعالى هذه على هؤلاء الملعونين أن يصبحوا عرضةً للإصابةِ بذاتِ الخبالِ العدواني الذي كان عليه أسلافُهم الأقدمون مما جعلَهم يفعلون ما كان أولئك يفعلون فشرعوا في الإفسادِ في الأرضِ وسفكِ الدماء فاستحقوا بذلك أن يُهلِكَهم اللهُ تعالى في يومٍ لابد هو آت، يومَ يجيءُ أمرُ اللهِ بأجلِه الموقوت، وللهِ الأمرُ في كلِّ الأزمانِ والأوقات.
وإذا أردنا أن نتبيَّنَ مَن من البشرِ في هذا الزمان هم أحفادُ من كانوا يفسدون في الأرضِ ويسفكون الدماء قبل آدمَ عليه السلام، فما علينا إلا أن ننظرَ أيَّ البشر يبالغون في عدوانِهم، ويسرفون في ردودِ أفعالِهم دون مراعاةٍ لحدودِ اللهِ، ومَن منهم يأخذُ الآلافَ بجريرةِ الآحاد، ومَن منهم يُهلِكُ الحرثَ والنسل وهو يعلمُ أنَّ اللهَ لا يحبُّ الفساد!

أضف تعليق