
بيَّنَ اللهُ تعالى للذين آمنوا بأنَّ هنالك حدوداً معرفيةً يتوجَّبُ عليهم أن يُلزِموا بها عقولَهم حتى لا تتعدَّاها فتضلَّ بذلك سواءَ السبيل. ومن هذه الحدودِ المعرفية ألا يدَعَ المؤمنُ لعقلِه حريةَ التجوالِ والترحال هنا وهناك في رحابِ ساحةِ التساؤلات التي لم يُخلَق مؤهلاً ليجوبَها وحدَه دونما زادٍ ولا رفيق! فمن مقتضياتِ حُسنِ الأدبِ مع اللهِ تعالى ألا يبالغَ العبدُ فيسترسلَ في التساؤلِ عن كلِّ ما يعِنُّ له أما وأنه قد خُلِقَ محدودَ القدرات محدداً بكمٍّ معدودٍ من القابليات. فاللهُ تعالى لم يخلق الإنسانَ مزوداً بما من شأنِه أن يُعينَه على استحصالِ الإجابةِ على كلِّ ما يعرضُ له من تساؤلات! غير أنَّ الإنسانَ يأبى أن يصدِّقَ أنَّ عقلَه عاجزٌ عن التوصُّلِ لإجابةٍ على كلِّ سؤالٍ يخطرُ له. ولذلك تراه لا يكتفي بما أنزلَه اللهُ تعالى عليه من آياتِه البيِّنات، بل تراه يعملُ بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ على أن يقاربَ هذه الآياتِ مقاربةً مغرضةً تجعلُه يضيفُ إليها من عندِه ما لم ينزِّل اللهُ تعالى به من سلطان! فالمهمُ عند الإنسان هو ليس أن يُلزِمَ عقلَه بما جاءه به من عندِ اللهِ تعالى رسُلُه الكرام، وإنما أن يبتدعَ سياقاً بديلاً يصطنعه بنفسِه يأخذُ مما جاءه به الرسلُ الكرام أشياءَ ويتركُ أشياء، ويضيفُ أشياءٌ مصطنعةً هي عنده مما يقتضيه الأمرُ حتى يصبحَ النصُّ الديني أكثرَ مقبوليةً عنده وقدرةً على أن يجعلَه يفهم نفسَه ويفهمُ العالَم بكيفيةٍ لا تتجلَّى له إذا ما التزمَ حرفياً بهذا النص فلم يزِد عليه أو ينقص منه.
وخيرُ مثالٍ على ذلك ما فعلَه كَتبةُ العهدِ القديم من تعريفٍ بالشجرةِ التي أكلَ منها آدم بقولِهم إنها كانت “شجرةَ معرفةِ الخيرِ والشر”: “واستنبتَ الربُّ الإله من الأرضِ كلَّ شجرةٍ بهيّةٍ للنظر ولذيذةٍ للأكل. وغرسَ أيضاً شجرةَ الحياة، وشجرةَ معرفةِ الخيرِ والشر في وسطِ الجنة”، وهو قولٌ اضطرَّهم إلى اختراعِ ما ليس موجوداً، وذلك بزعمِهم أنَّ الربَّ قالَ للملائكةِ بعدها: “وقال الربُّ الإله هو ذا الإنسانُ قد صار كواحدٍ منا عارفاً الخيرَ والشر، والآن لعله يمدُّ يدَه ويأخذُ من شجرةِ الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد”. فالقومُ إذاً عرَّفوا ما لم يكن بحاجةٍ لأن يُعرَّفَ وأضافوا ما لم يكن هنالك من داعٍ لإضافتِه! وما ذلك إلا لأنهم لم يُلزِموا عقولَهم حدودَها ولم يُقسِروها على الالتزامِ بما أوجبَه اللهُ تعالى عليهم من ألا يُسلِموا قيادَ عقولِهم لأنفسِهم تفعلُ بها ما تشاء وتسيِّرُها كيفما تشاء.
