هل شرعت علائمُ انهيارِ الحضارةِ الغربية تلوحُ في الأفق؟

ما أن أصبحَ للبيتِ الأبيض سيدٌ جديد حتى أخذت بوادرُ الانشقاقِ بين ضفتَي الأطلسي تتسعُ وتتخذُ لنفسِها سياقاتٍ جديدة من التجلِّي تضطرُّ كلَّ مَن يتدبَّرُها إلى الخلوصِ إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ الغربَ لم يعُد موحَّداً كما كان منذ أن وضعت الحربُ العالميةُ الثانيةُ أوزارَها. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أنَّ ما سبقَ وأن حذَّرَ منه كثيرٌ من المؤرخين هو حقيقةٌ قد آنَ أوانُ تجلِّيها. فأمريكا ترمب هي أمريكا جديدة أخذت تنأى بنفسِها شيئاً فشيئاً عن ماضيها الأوروبي الاستعماري صوبَ وجهةٍ جديدة سوف تجعلُها أكثرَ قرباً من “أمريكا الفكرة” التي راودت مخيلةَ الآباءِ المؤسسين. وسوف تبقى أوروبا القارةَ العجوز التي لن تزدادَ بمضي الأيام إلا شيخوخةً حضاريةً لينتهيَ بها الأمرُ بعدها إلى السقوطِ والانهيار. فانحطاطُ الغربِ وسقوطُه الحتمي لم يعودا مجرد احتمالاتٍ قد تحدثُ أو لا تحدث، وذلك من بعدِ كلِّ هذا التردّي الذي شابَ مسيرتَه المعاصرة، والذي يكفينا حتى نتبيِّنَه ونقدرَه حقَّ قدرِه دونما مبالغةٍ أو بخس أن نستذكرَ الحُكمَ القضائيَّ المجحف بحقِّ زعيمةِ اليمين المتطرف في فرنسا، والذي حُرِمت بمقتضاه من أن تشارك في انتخاباتِ عام 2027. ففرنسا، ومن ورائها أممُ الغربِ التي صفقت وهللت لهذا الحكمِ الجائر، قد أجهزت على ديمقراطيتِها التي طالما صدَّعت رؤوسَنا بمفاخرتِها بها! ولن يطولَ بالغربِ الأمرُ حتى تجدَ شعوبُه نفسَها مضطرةً إلى الاختيارِ بين طريقَين لا ثالثَ لهما: إما اللحاقُ بركبِ أمريكا الجديدة، أو البقاء على ذات الطريق الذي لن ينتهيَ بهذه الشعوب إلا إلى الاضمحلالِ الثقافي والاندثارِ الحضاري لتصبحَ حضارةُ أوروبا بعدها أثراً بعد عين!

أضف تعليق