في التأثيلِ اللغوي لكلمةِ “كارما” وفي أصلِها الديني

“العاقبةُ الأخلاقية” هي أفضلُ ما بالإمكانِ ترجمةُ كلمةِ “الكارما”، في العقيدةِ البوذية، إليه. فالإنسانُ، وفقاً لهذه العقيدة، يتعيَّنُ عليه أن يرقبَ أقوالَه وأفعالَه حتى لا يعودَ عليه قولٌ أو فِعلٌ بسوءِ العاقبة. ولذلك ترى القومَ يحرصون أشدَّ الحِرص على أن يضعوا “الكارما” في حسبانِهم قبل الشروعِ بقولٍ أو الإقدامِ على فعل. وإذا كان الأصلُ الديني لهذه الكلمة من اليسيرِ إرجاعُه إلى ما جاءَ به الدينُ الذي أنزلَه اللهُ تعالى على كلِّ رسولٍ أو نبيٍّ من رسلِه وأنبيائه، وبما يجعلُها إلهيةَ المنشأ، فإنَّ أصلَها اللغوي هو الآخرُ ليس بالعسيرِ تبيُّنُ ملامحِ مسارِ رحلتِه التطورية. فـ “الكارما”، عقيدةً ومذهباً ومسلكاً، تذكِّرُ كلَّ مَن يتدبَّرُ تجلياتِ تعريفِها بالمبدأ الذي يقومُ عليه دينُ اللهِ الذي فطر الناسَ عليه؛ هذا المبدأ الذي يقضي بأن الإنسانَ محاسَبٌ على كلِّ ما يصدرُ عنه من قولٍ أو فعل حساباً سوف يُجزاه الجزاءَ الأوفى.
أما الأصلُ اللغوي لكلمة “الكارما”، فهو يؤكِّدُ حقيقةَ كونِها ذاتَ ماضٍ تطوري يضربُ بجذورِه عميقاً في الزمان وصولاً إلى دينِ اللهِ تعالى. فكلمةُ “كارما” ذاتُ أصولٍ عربية لا يمكنُ للعينِ أن تخطأها. ففي اللغةِ العربيةِ القديمة كانت كلمةُ “جرَمَ” تعني “عملَ”، أو “فعلَ”. ولقد حفظَ لنا القرآنُ العظيم هذا الأصلَ القديم لهاتين الكلمتين، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) (35 هود).
2- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا( (من 8 المائدة).
3- (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) (من 124 الأنعام).
4- (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ( (من 47 الروم).
5- (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (29 المطففين).
فكلمةُ “أجرمَ” إذاً قد تطور معناها عبر العصور من “فعلَ” أو “عملَ” حتى أصبح لها معنىً يقتصرُ على الفعل السيء والعمل غير الصالح. ولقد بقيت كلمةُ “كارما” في العقيدةِ البوذية شاهدةً على أصلِها العربي القديم بهذا الذي تنطوي عليه من معنى يشملُ العملَ الصالح وغيرَ الصالح.

أضف تعليق