
مما يميِّزُ الإنسانَ هذا الإصرارُ من جانبِه على تكرارِ ذاتِ الأخطاءِ التي وقعَ فيها أسلافُه وآباؤه الأولون! وهذا الإصرارُ لن يفارقَ الإنسانَ وإن حلَّت الآخرةُ محلَّ هذه الحياةِ الدنيا: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (27- 28 الأنعام).
ولذلك نرى الإنسانَ غيرَ راغبٍ في التعلُّمِ من أخطاءِ الماضي سواءٌ تلك التي ارتكبها هو أو التي ارتكبها الآخرون! ولذلك كانت دراسةُ أحداثِ التاريخِ، بغيةَ التعلُّمِ من أخطاءِ الماضي، مضيعةً للوقتِ والجهد، أما وأنَّ الإنسانَ قد عقدَ العزمَ على أن يغضَّ الطرفَ عنها! وإلا فكيف نفسِّرُ وقوعَ الاستعمارِ الفرنسي في ذاتِ الأخطاءِ الكارثيةِ المرةَ تلو الأخرى؟! فإذا كان الامبراطورُ الفرنسي نابليون بونابرت قد اضطرَّه غرورُه وتكبُّرُه إلى خسارةِ معركةِ واترلو في 18/6/1815، فإن فرنسا قد خسرت تواجدَها الامبراطوري في الهندِ الصينية يومَ هُزِمت على يدِ الشعبِ الفيتنامي في معركةِ “ديان بيان فو”، والتي وقعت في 13/3/1954؛ هذه المعركةُ التي أجمع كثيرٌ من المؤرخين على تسميتِها بـ “واترلو الثانية”!
ويبدو أن هذه النزعةَ الامبراطورية تأبى أن تفارقَ مخيلةَ حكامِ فرنسا المعاصرين الذين سوف تقودُهم أحلامُهم التوسعية إلى خسارةٍ مدوية يومَ يقرُّ الغربُ بألا فائدةَ تُرتجى من الاستمرارِ في الدفعِ بأوكرانيا إلى مناصبةِ روسيا العداء. فخسارةُ أوكرانيا الحرب هي في حقيقتِها خسارةٌ جماعية لقوى الغرب التي تزعمتها فرنسا من بعدِ خسارةِ بايدن الانتخاباتِ الأمريكيةِ الأخيرة! ولن يحتجَّ حينها أحدٌ إذا ما سُمِيَت هذه الخسارةُ بـ “واترلو الثالثة”!
